كيف بدأ علما الجيولوجيا ؟

 



نبذة تاريخية

الإغريق القدماء. أول من كتب عن الأرض هم الإغريق القدماء. وقد كان العديد من كتاباتهم مزيجاً من الحقائق والخرافات والأساطير والتخمينات ومعتقدات ذلك العصر. ففي القرن السادس قبل الميلاد، أعلن الفيلسوفان طاليس وأنا كسمندر أن أحافير السمك هي بقايا لحياة سالفة. وأدركا أيضاً أن الماء يسهم في تشكيل مناطق اليابسة بترسيب الرمل والوحل في مصبات الأنهار. وفي القرن الخامس قبل الميلاد لاحظ المؤرخ هيرودوت كيف يتشكل الماء اليابسة، واعتقد أن الأحافير البحرية في مصر السفلى، كانت دليلاً على أن البحر قد غطى هذه اليابسة فيما مضى. وقد اعتقد أمبيدوقليز - وهو فيلسوف - في القرن الخامس قبل الميلاد، أن باطن الأرض كان سائلاً ساخناً، وأن جميع الأشياء أتت من الأرض أو الهواء أو النار أو الماء. واعتقد الفيلسوف أرسطو - الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد - أن الأرض قد نمت حتى وصلت إلى حجمها الحالي مثل الشيء الحي. وكتب تلميذه سقراط مقالة بعنوان ما يتعلق بالأحجار، وقد جمع هذا العمل، ولأول مرة - جميع المعلومات المعروفة آنذاك عن الصخور والمعادن والأحافير. وفي عام 7 ق.م تقريباً كتب الجغرافي والمؤرخ سترابو مجلد - 17 الجغرافيا. وقد أدرك أن ارتفاع الأراضي وهبوطها ينتج جزئياً من البراكين والزلازل.

الرومان. أضاف الرومان كتابات عن الجيولوجيا، كانت أكثر إقناعاً من تلك التي كتبها الإغريق. وتضمنت كتابات الرومان أيضاً كثيراً من الخرافات والتخمين والعديد من تلك الكتابات وصف الخامات المعدنية وتجارة المعادن والتعدين في الإمبراطورية الرومانية المترامية الأطراف. ففي عام 60م كتب الفيلسوف لوسيوس أنايوس سينيكا مقالته مسائل طبيعية. وقد حوت معلومات تفصيلية عن الزلازل والبراكين وكذلك عن المياه السطحية والجوفية.

شمل المجلد - 37 تاريخ طبيعي الذي كتبه بليني الأكبر، كل المعرفة الرومانية عن الصخور والمعادن والأحافير. وقد توفي بليني في عام 79م عندما كان يراقب ثورة بركان فيزوف الذي دمر مدينتي بومبي وهيركولانيم. وقدم ابن أخيه وابنه بالتبني بليني الأصغر مساهمات غير متوقعة في مجال الجيولوجيا. فقد كتب في رسائل عن موت عمه، وعن وصف ثورة البركان والزلزال الذي صاحبه.

العرب والمسلمون. بنيت جهود العلماء العرب والمسلمين في الجيولوجيا على المنطق والدقة والتجربة بخلاف من سبقهم من الإغريق والرومان؛ ففي عام 210هـ، 825م قاسوا محيط الأرض وقطرها، وكان قياسهم قريباً لما يقرره العلم الحديث، وكتب الكندي عن كروية الأرض وكروية سطح الماء في الفترة من 230 - 250هـ، 845 - 864م.

تناول ابن سينا كثيراً من آرائه الجيولوجية في كتابه الشفاء في الجزء الذي سماه المعادن والآثار العلوية؛ فقد تحدث عن الزلازل وأسبابها وما يصاحبها، وقسم الزلازل إلى أنواع. وكان أول من أشار إلى أن خسف الأرض (الهبوط) يسببه خروج الحمم البركانية، كما أن الزلازل تفتح عيون الماء في المناطق التي تحدث فيها، كما أشار إلى قانون تعاقب الطبقات، وبذا يسبق الدنماركي نيكولاس ستينو في هذا الصدد. أشار ابن سينا أيضاً إلى سببين من أسباب تكون الجبال وهما: الحركات الأرضية الرافعة، وعوامل التعرية.

كان كتاب الشفاء منطلقاً للجيولوجيا في أوروبا، فقد ترجم ألفرد سيريشل الجزء الخاص بالمعادن منه عام 1200م ونسبه إلى أرسطو، وكان ذلك دأب كثير من المترجمين بل والدارسين الغربيين إذ ذاك، حيث كانوا ينسبون أعمال العلماء العرب لأنفسهم أو لآخرين، وقد اعترف ليوناردو دافينشي نحو عام 900هـ، 1494م أنه استقى معلوماته عن الأحجار والأحافير من الكتب المشهورة لابن سينا.

كان للعرب والمسلمين نظريات عديدة عن أصل الصخور وكيفية تكونها، وخصوا بالذكر الصخور الرسوبية وتعاقب الطبقات بعضها فوق بعض، والنيازك، واقترحوا لها تصنيفات قوية؛ فقد قسموا النيازك إلى فئتين: حجرية وحديدية، وهو نفس التقسيم المتبع حالياً. ولعل أول تلميح للتقسيم الحالي لما يسمى الصخور النارية، والرسوبية والمتحركة جاء في كتابات جابر بن حيان قبل عام 200هـ، 815م. وبذا يكون علماء الجيولوجيا العرب أسبق من غيرهم إلى ذلك، إذ نجد أن هذا الأمر لم يثر انتباه الجيولوجيين إلا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلاديين، فيما سمي بالجدل بين البلوتونيين والنبتونيين. انظر: الجدل حول الصخر في هذه المقالة.

عصر النهضة. كان عصر النهضة الأوروبية فترة لتجدد الاهتمام في مجالات عديدة للمعرفة، شملت دراسة الأرض. وأثناء عصر النهضة الأوروبية، قدم الطبيب السكسوني جورجيوس أجريكولا أهم المساهمات للجيولوجيا، حيث نشر أعماله عن المعادن والأحافير والتعدين وعلم الفلزات. وتضمنت كتب أجريكولا طبيعة الأحافير (1546م)؛ وكتابه الفلزات (1556م) والذي أصبح الأساس للكتب الحديثة عن علم الفلزات والتعدين.

اعتقد الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس أن الأرض كوكب متحرك، وقدم فكرة عن أنها تدور حول محورها كل 24 ساعة، وتدور حول الشمس مرة كل عام. وذكر كوبرنيكوس أيضاً: أن الكواكب تدور حول الشمس وأن القمر يدور حول الأرض. وفي أوائل القرن السابع عشر الميلادي أيد الفلكي الإيطالي جاليليو هذه الأفكار عن طريق اكتشافات قام خلالها باستخدام التلسكوب (المقراب). كما اكتشف جاليليو أن الجاذبية تشد الأشياء نحو الأرض بنفس التسارع (معدل تجميع السرعة) دون اعتبار لوزنها. وكانت تجارب جاليليو الأساس الذي طوّر على ضوئه العالم الإنجليزي السير إسحق نيوتن قانون الجاذبية الكونية في عام 1687م. انظر: الجاذبية.

وفي عام 1669م، قدّم الطبيب الدنماركي نيكولاس ستينو مساهمة جيولوجية كبيرة. فقد أوضح أن طبقات الصخور تترسب دائماً، بحيث تكون أقدم الطبقات في القاع وأحدثها في القمة. ويساعد قانون التطابق هذا، العلماء على تحديد الترتيب الذي حدثت فيه الأحداث الجيولوجية.


معلومات مشوقة

  • أقدم من الديناصورات: الأحافير التي ذكرها الإغريق ليست مجرد صخور، فبعض أقدم الأحافير المكتشفة (الستروماتوليت) تعود إلى 3.5 مليار سنة، أي أنها كانت موجودة قبل الديناصورات بمليارات السنين.

  • تزييف التاريخ: نُسبت الكثير من اكتشافات "ابن سينا" و"البيروني" لعلماء غربيين لقرون، منها قوانين الترسيب وتكون الجبال، ولم ينصفهم التأريخ العلمي إلا حديثاً.

  • نهاية مأساوية لبليني: "بليني الأكبر" الذي ذُكر في النص لم يمت صدفة، بل مات مختنقاً بالغازات السامة أثناء محاولته إنقاذ أصدقائه في بومبي وتوثيق البركان، فكان أول "مراسل علمي" يضحي بحياته من أجل المعرفة.

  • سقوط النيازك: التقسيم الذي وضعه جابر بن حيان (حجرية وحديدية) لا يزال هو الركيزة الأساسية في تصنيف النيازك التي تسقط من الفضاء الخارجي حتى اليوم.


نقاش

يستعرض هذا النص رحلة العقل البشري من "الأسطورة" إلى "العلم"، وهو يثير تساؤلاً جوهرياً حول مفهوم "السيادة العلمية". إن نسب أعمال العلماء المسلمين لغيرهم خلال العصور الوسطى لم يكن مجرد خطأ ترجمة، بل كان انعكاساً لمرحلة انتقال القوة الحضارية. الجيولوجيا اليوم، بجذورها التي تمتد من فلسفة الإغريق إلى دقة المسلمين ثم ثورة النهضة الأوروبية، تثبت أن العلم ليس ملكاً لأمة، بل هو تراكم معرفي كوني. النقاش الحقيقي يكمن في: كيف استطاع ابن سينا استنتاج "قانون تعاقب الطبقات" بمجرد الملاحظة الدقيقة قبل وجود الأدوات الحديثة بقرون؟ هذا يعيدنا إلى أهمية "المنطق" كأداة بحثية أولية تتفوق أحياناً على التقنية في غياب الاستبصار.

 

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...