ما هي المميزات الجنازة عند المسلمين عن غيرهم من الشعوب

  




غُسْلُ الميتِ وتجهيزُه. لا توجد شريعة أو نظام حثَّ على العناية بأمر الميت وغسله وإعداده للدفن كما فعل الإسلام. فقد رغب الإسلام في الإسراع - قدر المستطاع - في تجهيز الميت وتهيئة جسده للدفن دون تأخير، وأوجب على عامة المجتمع (على سبيل الكفاية) غُسله وتجهيزه؛ إكراماً لقيمة الفرد الإنسانية، وتحقيقاً لمعنى التكافل الاجتماعي المادي والمعنوي، ولو بعد الموت.

شرع الإسلام نزع الثياب عن الميت واستبدال الكفن بها، وهو القماش الأبيض الحسن النظيف المتصف بالبساطة، حيث يُلفُّ به الميت كله ثلاث مرات على الأقل. كما شرع الإسلام استعمال المنظفات كالسدر والصابون أثناء غسله، ثم تطييبه بالكافور ونحوه من المواد العطرية الفواحة. قال النبي ﷺ في الثياب البيضاء: (كفنوا فيها موتاكم). وقال في ابنته أم كلثوم وهي تُغسل: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً).

أما الشهيد الذي يقتل في سبيل الله، فلا تنزع عنه ثيابه ولا يُغسل؛ إبقاءً لأثر الشهادة عليه، وتعظيماً لشأنه، وتفخيماً لبطولاته وتضحياته. وقد أمر النبي ﷺ في قتلى أُحد بدفنهم في دمائهم، فلم يغسلوا، وقال فيهم: (لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة).

الصلاة على الميت. أوجب الإسلام على عامة المجتمع (على سبيل فرض الكفاية) القيام بالصلاة على الفرد المسلم إذا مات ولو كان طفلاً صغيراً، وذلك وفاءً بالشخصية الإنسانية الموحدة، والتماساً من الله لها مزيداً من الرحمة والتسامح والمغفرة والرضوان. واستثنى بعض العلماء الشهيد، فقالوا: لا يصلى عليه لأن النبي ﷺ لم يصلِّ على شهداء أُحد - كما جاء في صحيح البخاري - بل دفنهم بدمائهم وثيابهم تعظيماً لهم، إذ ضحوا بأرواحهم في سبيل الله فاستحقوا نوال رحمته ورضوانه، واستغنوا عن دعاء الناس لهم.

وتوسيعاً لدائرة الوفاء للميت، وتعميقاً لمعنى الأخوة الإسلامية التي قد تباعد الأقاليم بين رموزها، شرع الإسلام الصلاة على الميت الغائب ولو كان في قُطر بعيد. قال النبي ﷺ: (إن أخاكم النجاشي قد مات - أي في الحبشة - فصلوا عليه). ويشترط للصلاة على الجنازة ما يشترط في الصلاة العادية من الوضوء واستقبال القبلة وستر العورة وطهارة ثياب المصلي والمكان الذي يصلي فيه. ويجوز أداء صلاة الجنازة في المسجد وفي غيره من المواضع التي تجوز فيها الصلاة. ويستحب أن يتقدم للإمامة الحاكم المسلم أو من ينيبه، أو إمام الحي، أو ولي الميت أو من ينيبه (بالترتيب).

ومن الهيئات المشروعة في الصلاة على الميت الحاضر أو الغائب، أن يصطف المصلون خلف الإمام صفوفاً متوالية، حيث يُستحب الإكثار من الصفوف، ويكون الميت - أو الأموات إن كانوا أكثر من واحد - بين الإمام وجهة القبلة. ثم يكبر الإمام التكبيرة الأولى، ويكبّر بعده المصلون، ويقرؤون الفاتحة، ثم يكبّر الإمام التكبيرة الثانية، وبعده المصلون يكبّرون ويقرؤون الصلوات الإبراهيمية، ثم يكبّر الإمام وبعده المصلون التكبيرة الثالثة ويدعون للميت، وهذا الدعاء، هو في الواقع المقصود الأعظم من صلاة الجنازة، ثم يكبر الإمام وبعده المصلون التكبيرة الرابعة والأخيرة... ثم يختمون الصلاة بالتسليم.

قال النبي ﷺ: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان). قيل: وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين). وفي هذا بيان لفضل الصلاة على الميت وما يترتب عليها من ثواب وأجر. وفي حديث آخر قال ﷺ: (ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه). ويجدر التأكيد على أن الصلاة على الميت تؤدى قياماً فقط، حيث لا يوجد فيها ركوع ولا سجود ولا جلوس، كما لا توجد فيها طقوس وترانيم أخرى كما هو الشأن عند غير المسلمين.

دعاء صلاة الجنازة. لا يتعين في صلاة الجنازة دعاء مخصوص للميت، حيث نُقل عن النبي ﷺ أنه دعا بأدعية عديدة، ألفاظها متنوعة ومعانيها متقاربة، وكلها تدور حول التماس الرحمات للميت، والدعاء له بأن يعيش حياته الآخرة في سعادة ونعيم. وأكمل صيغ الدعاء ما رواه عوف بن مالك حيث قال: صلّى النبي ﷺ على جنازة فسمعته يقول: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار، وأدخله الجنة). قال عوف: فتمنيت أن لو كنتُ أنا الميت، لدعاء النبي ﷺ لذلك الميت.

وهكذا يتضح أن المقاصد في صلاة الجنازة هي إخلاص الدعاء للميت وطلب الرحمة والسعادة الأبدية له، لأنه مفتقر إلى هذه الأمور في الحال التي أفضى إليها. وبهذا أيضاً يتأكد معنى الوفاء المستمر بين الأحياء والأموات، وتتعمق فكرة الأخوة الإسلامية الاجتماعية في الحياة وبعد الممات.

حمل الجنازة والخروج معها. يستحب حمل النعش من أطرافه الأربعة حتى يأمن السقوط ويتوزع الثقل على الحاملين، ولا بأس في حمله على سيارة أو عربة ونحوها. ويستحب للأقرباء والأصدقاء ونحوهم الخروج معه لتوديعه ودفنه وإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ويمكن أن يكونوا أمام النعش أو خلفه، مشاةً أو راكبين، من غير بطء ولا إسراع، بدون أكاليل زهور أو ترنيمات أو نحوها مما يفعله غير المسلمين. أما النساء فيستحب لهن عدم الخروج مع النعش صيانة لهن من المزاحمة والمعاناة، ومخافة الإصابة بانهيارات نفسية أو عصبية - وبخاصة وقت إنزال الميت إلى القبر - وذلك لفرط عاطفتهن ورقتهن. قالت أم عطية الأنصارية: "نهانا رسول الله ﷺ عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا".

ويستحسن لمن يشيعون الجنازة أن يشغلوا أذهانهم في التفكير بالآخرة، والاعتبار بهذا المآل الذي لا بد أن يمر به كل حي، ويُكره لهم رفع الأصوات بدون حاجة، ويحرم عليهم العويل والصراخ والنواح.

دفن الميت. حرم الإسلام إحراق جسد الميت أو إتلافه أو تركه مرمياً في الصحراء أو الغابات، ودعا إلى دفنه ومواراته إكراماً لإنسانيته وصيانة له من أن تنهشه الوحوش أو تتسلط عليه الطيور. وقد فعل النبي ﷺ ذلك مع مشركي مكة الذين قتلوا في معركة بدر. شرع الإسلام أن يوضع الميت في قبر يبلغ عمقه مستوى القامة، وعرضه نحو متر واحد وطوله نحو مترين اثنين، يضجع فيه الميت على جنبه الأيمن ووجهه وجسمه نحو القبلة.

ويستحب أن يكون القبر لحداً لا شقاً، لحديث النبي ﷺ: (اللحد لنا والشق لغيرنا). والشق هو: حفر القبر عميقاً فقط، أما اللحد فهو الحفر عميقاً ثم تجويف جانب القبر جهة القبلة، حتى يصير كالبيت المسقوف، فيوضع فيه الميت ثم يُسدُّ القبر بالحجارة لمنع تساقط التراب. ولا يسمح الإسلام أن يترك في قبر الميت بعض النقود والملابس والأطعمة ونحوها مما ينفع الأحياء، وذلك صيانة للمال عن الضياع والإتلاف والإهدار، حيث لا فائدة تُرجى من وراء هذا العمل، خلافاً لما كان يزعم بعض القدماء كالفراعنة.

أما عن هيئة القبور، فقد دعا الإسلام إلى اتباع البساطة فيها، ومنع إشادة البناء عليها، أو اتخاذ السرج والمشاعل فوقها، حفظاً للمال، وتحقيقاً لمعاني الاعتبار بالموتى، وأجاز تسنيمها تسنيماً يسيراً مقدار شبر، كما أجاز وضع علامة على القبر - من غير تكلُّف - ليعرف أنه قبر فلان.

كما دعا الإسلام إلى الكف عن ذكر مساوئ الميت؛ رعاية لجانبه وهو في دار الحق، وإكراماً ومجاملة لأهله وأحبابه لكي لا يتأذوا بذلك. ويضاف إلى هذا أن الإسلام صان شخصية الإنسان بعد موته، وحماه من وقوع الأذى عليه أو إلحاق الإهانة به، فحرّم إيذاءه بالسب والشتم والغيبة، كما نهى عن احتقار قبره بالقعود عليه أو التبول فوقه أو رمي القاذورات والأوساخ بجانبه.

التعزية والثناء على الميت. شرع الإسلام تعزية أهل الميت ومواساتهم وتصبيرهم على فراقه خلال أيام يسيرة من الموت، على أن يكون هذا عرضياً، أي من غير أن تُعدَّ له العُدَّة أو يُجلس له أياماً معلومة، كما يفعل الناس اليوم من إقامة السرادقات وفرش البُسط والجلوس للتعزية - قصداً - وتعطيل الأعمال. وقد صح أن النبي ﷺ عزى في الموتى بدون أن يجلس لذلك أهل الميت، وقال لابنته عقب موت ابنها: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبري واحتسبي).

ومن المواساة الاجتماعية التي شرعها الإسلام أن يُعان أهل الميت على أمورهم المعيشية، كأن يُصنع لهم طعام ليأكلوه مع الناس، فيواسونهم ويسلونهم ويخففون عنهم أحزانهم ويبعدون عنهم أجواء الكآبة، قال النبي ﷺ: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم). أما رثاء الميت الذي يقصد به عدُّ شمائله والافتخار بشخصه وتعظيم أمره، وحفز الناس على مزيد من الجزع والحزن لموته، يزعم أن الأيام لن تأتي بمثله، فهذه أمور حرّمها الإسلام، لمنافاتها الانقياد لأمر الله وتدبيره، والاستسلام لقضائه وقدره، إضافة إلى ما في ذلك من زرع اليأس والقنوط في النفوس، والحيلولة بين الناس وبين الصبر على قضاء الله وقدره الذي لا يمكن دفعه. وأما رثاء الميت بالثناء عليه وذكر محاسنه من غير إسراف ولا مغالاة؛ أي تأبينه، ليتأسى الناس وترتفع هممهم إلى مكارم الأخلاق، فلا بأس في هذا، لقول النبي ﷺ في رجل مات وأثنى المسلمون خيراً: (إنه وجبت له الجنة، وأنتم شهداء الله في أرضه).

الحداد على الميت. وهو ترك الزينة والطيب، والامتناع عن لبس الثياب ذات الألوان الزاهية المبهرجة، وقد شرعه الإسلام للنساء خاصة، مراعاة لعاطفتهن الجياشة وتفريغاً لأحاسيسهن المرهفة، ووفاءً للميت وبراً به، وتفخيماً لحقه على زوجته. الحداد المشروع للمرأة صنفان: حداد على زوجها المتوفى، وهو فرض لا يسعها تركه، ومدته أربعة أشهر وعشرة أيام، تمتنع فيها عن مظاهر الزينة المعتادة، حتى تستكشف براءة رحمها وعدم حملها من زوجها المتوفى. والصنف الآخر: حداد المرأة على غير زوجها، كأبيها وابنها وأخيها، وهو مباح إذا لم يمنعها زوجها، ومدته ثلاثة أيام فقط، قال النبي ﷺ: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً، فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوباً مصبوغاً ولا تمس طيباً ولا تختضب). أما ما تفعله بعض النساء من ترك بعض الأطعمة وترك الاغتسال ونحوه من أسباب النظافة، فهو لا أصل له في شريعة الإسلام.

زيارة القبور. شرع الإسلام للرجال زيارة القبور وحضَّهم على فعلها في أي وقت نظراً لما فيها من استمرار صلة الأحياء بالأموات والبر بهم والتماس الرحمة لهم، فضلاً عما تشتمل عليه من إيقاظ ضمائر الزائرين وتذكيرهم بالأسلوب الصحيح الذي ينبغي انتهاجه في هذه الحياة. قال النبي ﷺ: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة). أما النساء فيُكره لهن زيارة القبور؛ لأنها مظنة معاناة نفسية شديدة عليهن، تستتبع البكاء والنحيب ورفع الأصوات والانكشاف ونحوه مما ينبغي صيانتهن عنه. فإذا كانت زيارتهن مع التحكم في العاطفة، والتحصن من البدعة، والتحصن للعبرة وتذكر الآخرة فإن جمهور العلماء على جواز الزيارة للنساء وشمول الرخصة لهن مع الرجال.


معلومات مشوقة عن تجهيز الجنازة:

  • تساوى في الموت: يتم تكفين جميع المسلمين - غنيهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم - بنفس القماش الأبيض البسيط، لتأكيد مبدأ المساواة المطلقة أمام الخالق.

  • صلاة بلا ركوع: صلاة الجنازة هي الصلاة الوحيدة في الإسلام التي لا ركوع فيها ولا سجود، بل تؤدى كلها قياماً، تركيزاً على مقصودها الأساسي وهو الدعاء والشفاعة للميت.

  • الشهيد والمسك: استثنى الإسلام الشهداء من الغسل، وأمر بدفنهم بثيابهم الملطخة بالدماء، إيماناً بأن هذه الدماء ستتحول إلى ريح المسك يوم القيامة.

  • حق الجار والصديق: اعتبر الإسلام تشييع الجنازة حقاً من حقوق المسلم على أخيه، ووعد المشيع بأجر عظيم يعادل جبل أُحد إذا شهد الصلاة والدفن.


نقاش

تُبرز نصوص تجهيز الجنازة في الإسلام توازناً دقيقاً بين "كرم الميت" وبين "حماية أموال الأحياء"؛ فبينما يوجب الإسلام الغسل والتكفين والدفن بأفضل صورة ممكنة، فإنه يحرم وبشدة دفن الأموال والمقتنيات مع الميت صيانةً لها من الضياع، بخلاف ما كان متبعاً في حضارات سابقة كالفراعنة. برأيكم، كيف يساهم هذا المنهج في توجيه الموارد المالية لدعم الأحياء بدلاً من إهدارها في القبور؟ وهل ترون أن مظاهر التعزية الحديثة (كإقامة السرادقات الكبيرة) لا تزال تخدم غرض المواساة، أم أنها أصبحت عبئاً مالياً ونفسياً يخالف بساطة الهدي النبوي؟

 

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...