الجنية مخلوق خيالي يظهر في الآداب الشعبية. وتستخدم الجنيات القوى السحرية التي تمتلكها في أفعال الخير والشر، وبالرغم من أنها دائماً تساعد في أفعال الخير إلا أنها أحياناً تسلك مسالك شريرة وبقسوة شديدة.
توجد عدة أنواع من الجنيات، وتعيش كل واحدة منها في منطقة معينة. فمثلاً، تعيش الجنيات المسميات بروني وبوكا وبكسي في إنجلترا، وجوبلن في فرنسا، وكوبولد ونيكس في ألمانيا، وإلف وترول في الدول الإسكندنافية. وعلى الرغم من أن كلمة جنية تدل بصفة عامة على شخصيات كثيرة في التراث الشعبي لأوروبا الغربية إلا أن هذه المخلوقات الخيالية - الجنيات - توجد في معظم أنحاء العالم.
فمثلاً يحتوي التراث الشعبي لجزر هاواي على مجموعة من الحكايات عن الأقزام الذين يعملون بالليل، ويعرف هؤلاء الأقزام بالمنيهون. أما التراث الشعبي الياباني، فيتضمن حكايات عن عفريت الماء، ويعرف باسم الكابا. وتوجد لدى بعض الناس القدرة على رؤية الجنيات، بل ومعرفة الأماكن التي يعشن بها، بالرغم من أنها مخلوقات غير مرئية للإنس. وفي بعض الأحيان، يمكن للشخص رؤيتها عندما يدخل فيما يعرف بالحلقات الجنية، وهي حلقات توجد في الحقول والمراعي، حيث الخضرة الداكنة، وتستمتع الجنيات بالرقص في تلك الحلقات.
تظهر الجنيات في نوعين من الروايات التي يحكيها الناس، وهما الأساطير وقصص الجنيات الخيالية. وتروي الأساطير على أنها حقيقة، أما القصص فتروي على أنها خيالية، وتظهر الجنيات في قليل من القصص، وفي كثير من الأساطير. وقد اكتسبت كثير من المعتقدات وقصص الجنيات شعبية كبيرة منذ مئات السنين. فمثلاً يعتقد معظم الأطفال أن الرمال (سندمان) يأتي كل ليلة ويوقع النعاس في أعينهم ببذر الرمال فيها. وهنالك جنية الأسنان حيث تهب الأطفال الأسنان بدلاً من الأسنان التي فقدوها، وتضع السن البديلة تحت المخدة أو في كأس الماء مع بعض النقود وذلك عندما يكون الطفل نائماً. وتختطف جنية شريرة تعرف بالغول الأولاد والبنات الذين يخرجون من بيوتهم دون علم آبائهم. أما الغول الوحش، المسمى أيضاً الجنية الشريرة، فيختطف الأطفال المشاغبين.
ولا أحد يعلم متى بدأ الاعتقاد بالجنيات، ولكن بعض الروايات ترى أن الجنيات كانت ملائكة طُردت من السماء لارتكابها بعض الآثام، فيما ترى الروايات الأخرى أن الجنيات كانت أرواح الموتى.
الجنيات في الأدب. كتب المؤلفون العديد من القصص والمسرحيات والروايات عن الجنيات منذ مئات السنين، وقد استخدم الكاتب المسرحي الإنجليزي وليام شكسبير الجنيات شخصيات رئيسية في مسرحيته الكوميدية الهزلية حلم ليلة صيف. وتحتوي هذه المسرحية على شخصية الملك أوبرون والملكة تيتانا، وهما شخصيتان معروفتان في قصص الجان، وعلى الجنية الشريرة، بوك. وقد يكون شكسبير قد استلهم الشخصية الأخيرة من أي من شخصيات الجان المختلفة من التراث الشعبي الإنجليزي مثل بوكا الأيرلندية، بوكا الويلزية، روبن المخلوق الإنجليزية.
تعد شخصية الجنية التي تدعى أريل أهم شخصية في مسرحية العاصفة لشكسبير. وقد كتب شكسبير وصفاً رائعاً للملكة ماب في مسرحيته التراجيدية روميو وجوليت.
نشر الكاتب الفرنسي شارل بيرول عام 1679م مجموعة من قصص التراث الشعبي باسم قصص الإوزة الأم وقد تضمنت المجموعة بعض القصص التي لاتزال شهرتها ذائعة الصيت. وفي إحدى هذه القصص الأسطورية استطاعت الجنية الطيبة لسندريلا أن تحول القرعة إلى عربة، والفئران إلى خيول، ثم أعادتهم مرة أخرى إلى ما كانوا عليه أصلاً. ويحكى في قصة أسطورية أخرى بأن جنية شريرة قضت بالموت على الأميرة النائمة. غير أن جنية طيبة أخرى تتدخل وتحيل الموت إلى نوم طبيعي هادئ، وعندئذ يقوم أمير وسيم بإيقاظ الفتاة بلمسها على خدها. وكانت هذه القصة أساساً لرقص مسرحي روسي (باليه) ألف موسيقاه بيتر تشايكوفسكي وأنتج عام 1890م.
وفي أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، نشر الكاتبان الأخوان جاكوب ووليم جريم من ألمانيا مجموعة قصص باسم حكايات جريم عن الجن، ولم يتطرق الكاتبان لموضوع الجنيات إلا في بعض القصص القليلة، وتحدثنا إحدى القصص المسماة رمبل إستلتسكن عن جنية تحول القصب إلى ذهب.
اعتمد بعض الكتاب على القصص التي صنعوها بأنفسهم عن الجنيات، منهم الكاتب الهولندي هانز كريستيان أندرسن، الذي كتب مجموعة مجلدات تحوي قصصاً من عام 1835م وحتى وفاته عام 1875م. وفي روايته المسماة بيتي الصغير، أتت الشخصية الأساسية في القصة من زهرة سحرية.
أما الكاتب الإيطالي كارلو كولودي فقد كتب للأطفال روايته المشهورة بينو شيوا في عام 1833م. وتتضمن الرواية شخصيات من الجن. وتضم مسرحية الطفل بيتر بان التي كتبها الكاتب المسرحي الإنجليزي ج. م باري عام 1904م عدداً من الجنيات بما في ذلك الشخصية الرئيسية في المسرحية تنكر بيل.
وتعرض الكاتب الإنجليزي جيه. آر. آر تولكين في أعماله لكثير من الجنيات وبعض المخلوقات الخيالية. وتشمل مؤلفاته رواية هوبيت التي كتبت عام 1937م، ورواية ملك الحلقات، المؤلفة من ثلاثة مجلدات في الفترة من (1954 - 1955م)، ويصف الكاتب في روايته هوبيت بعض أجناس الجنيات التي تتميز بالحكمة والعقلانية، وتعيش في أرض بها حياة أبدية.
هل تعلم؟ (معلومات مشوقة)
أصل التسمية العابر للقارات: بالرغم من أننا نربط "الجنيات" بالثقافة الغربية، إلا أن كل حضارة تمتلك نسختها الخاصة؛ فاليابانيون يخشون "الكابا" المائي، وسكان هاواي يؤمنون بأقزام "المنيهون" الذين يبنون المنشآت في ليلة واحدة.
الحلقات الجنية الحقيقية: تلك الدوائر من الأعشاب الداكنة التي كانت تُنسب لرقص الجنيات هي في الواقع ظاهرة طبيعية ناتجة عن نمو الفطريات، لكن الأساطير حذرت لقرون من دخولها.
تطور الشخصية: الجنيات لم تكن دائماً تلك الكائنات اللطيفة ذات الأجنحة؛ ففي الأساطير القديمة كانت تُعتبر كائنات قوية ومتقلبة المزاج، وأحياناً تُوصف بأنها أرواح موتى أو ملائكة سقطت من السماء.
ملابس البحارة والجنس: من الحقائق المذهلة أن اسم قماش "الجينز" الشهير مرتبط بمدينة جنوة الإيطالية، حيث كان البحارة يرتدون قماشاً متيناً يُعرف باسم "Gênes" بالفرنسية، وهو أصل الكلمة التي نستخدمها اليوم.
نقاش
انتقلت الجنيات من كونها "أساطير" يُصدقها الكبار ويخشون غضبها في الحقول، إلى "قصص خيالية" تملأ أحلام الأطفال وكتب الأدب العالمي. برأيكم، هل فقدت هذه الشخصيات سحرها ورهبتها بعد أن حصرها الأدب الحديث في قالب "اللطف والمساعدة" فقط؟ وهل تعتقدون أن بقاء هذه المعتقدات مثل "جنية الأسنان" و"سندمان" في عصرنا العلمي الحالي هو مجرد وسيلة تربوية، أم أنها تلبي حاجة إنسانية فطرية للإيمان بوجود "سحر" ما يحيط بنا؟ شاركونا تجاربكم مع القصص التي سمعتموها في طفولتكم وكيف أثرت في خيالكم.