الحواس
في الحشرات
خلق الله
للحشرات - مثل بقية الحيوانات - أعضاء تمكنها من الرؤية والسمع واللمس والتذوق
والشم، بل إن كثيراً منها لها حواس أكثر تقدماً من مثيلاتها في معظم الحيوانات
الأخرى.
النظر.
لمعظم أنواع الحشرات زوج من العيون المركبة الضخمة التي تحتل معظم رأس الحشرة.
وتتكون كل عين من العديد من العُدَيسات سداسية الشكل متجمعة حول بعضها في تركيبة
تشبه خلايا عسل النحل. ويتفاوت عدد العديسات ما بين نحو الست في بعض شغالات النمل
و٣٠,٠٠٠ عديسة في بعض أنواع اليعاسيب. وتدخل كل عديسة صورة جزيء صغير من المنظر
الكامل الذي تراه الحشرة، حيث تتحد كل الجزيئات التي تراها العديسات منفردة، مع
بعضها، مكونة الصورة الكاملة.
لا
تستطيع الحشرات تحريك أو ضبط بؤر عيونها، ونظرها حاد لمسافة قصيرة فقط، ولا ترى
بوضوح أي جسم يبعد عنها أكثر من متر واحد. ولكن تستطيع الحشرات تمييز الحركة
بسرعة، وكثير منها يستطيع أن يميز الألوان، كما يستطيع كثير من الحشرات أن يرى مدى
أوسع من أشعة الضوء، أكثر مما تراه العيون البشرية. فمثلاً تستطيع بعض الخنافس
رؤية الأشعة تحت الحمراء، وكذلك معظم الحشرات تستطيع أن ترى الأشعة فوق البنفسجية،
وكلا النوعين من الأشعة لا تراه العين البشرية. وليس لدى الحشرات جفون فأعينها
دائماً مفتوحة.
لدى
الكثير من الحشرات المكتملة ثلاث أعين بسيطة تسمى العُيَيْنَات متجمعة بشكل مثلث
بين العيون المركبة، ولا تستطيع العيينات تكوين الصور وكل ما في إمكانها هو
التمييز بين النور والظلام. وليس لدى الكثير من صغار الحشرات عيون مركبة، ولكن
لديها ما بين عين بسيطة واحدة إلى ست عيون بسيطة أو أكثر على كل جانب من جانبي
الرأس. وهناك أنواع عديدة من الحشرات ساكنة الكهوف، مثل: الشغالات في مستعمرات
النمل الأبيض (الأرضة) فقدت عيونها وصارت عمياء تماماً.
السمع.
للحشرات مدى واسع من السمع، حيث يستطيع بعض منها أن يسمع الموجات فوق الصوتية بمدى
أكثر من اثنتين من الوحدات الثمانية التي تستطيع أن تسمعها الأذن البشرية. بينما
تسمع أنواع أخرى أصواتاً ذات ترددات منخفضة جداً لا تستطيع الأذن البشرية
التقاطها. وبالرغم من ذلك، فإن القليل، فقط من أنواع الحشرات ليس لديه أعضاء سمع
حقيقية، أو آذان. وتلك الآذان موزعة على كل أنحاء الجسم تقريباً، ولكنها لا توجد
في الرأس. وهي تتكون من أغشية رقيقة منبسطة تهتز حينما تضربها الموجات الصوتية،
مثلما تفعل طبلة الأذن في البشر تماماً. وتوجد آذان كل من الجنادب قصيرة القرون،
والجراد، وزيز الحصاد وكثير من العثات، على جانبي الجسم، أما الجنادب طويلة القرون
والجدادجد (صراصير الحقل) فتوجد آذانها على أرجلها الأمامية.
غالبية
الحشرات ليس لها آذان، ولكنها تسمع عن طريق الشعيرات الرقيقة الموجودة على قرون
استشعارها، أو في أماكن أخرى من أجسامها، فتلك الشعيرات تستجيب للموجات الصوتية،
مثل استجابتها لأي تحركات أخرى في الهواء. فلدى ذكور البعوض شعيرات طويلة على قرون
استشعارها تجعل قرون الاستشعار تتذبذب بسرعة من الموجات الصوتية، كما يسمع بعض
النمل - أيضاً - عن طريق الشعيرات الموجودة على قرون استشعاره، بينما تسمع
الصراصير بوساطة الشعيرات الموجودة على قرونها الشرجية (زوج من اللوامس يوجد في
آخر حلقة من حلقات البطن) أما اليساريع فتسمع بوساطة الشعيرات المبعثرة فوق كل
أجسامها.
ورغم أن
الحشرات تسمع، لكن ليس لديها أصوات حقيقية، فمعظمها يصدر أصواتاً بحك بعض أجزاء
جسمها ببعض. ومن أكثر الحشرات ضوضاء الجنادب، والجدادجد، وزيز الحصاد، والذكور فقط
هي التي تحدث الصوت، وذلك لجذب الإناث التي غالباً لا تحدث أي صوت. وتحدث الجنادب
قصيرة القرون الصوت بحك أرجلها الخلفية بأحد العروق في الأجنحة الأمامية مثل عزف
آلة الكمان تماماً. وتحدث الجدادجد الصوت بحك أجنحتها الأمامية الجلدية بعضها
ببعض. وفي البرتغال واليابان والصين وبعض الأقطار الأخرى، يحتفظ الناس بالجدادجد
في أقفاص ليستمتعوا بأصواتها الجميلة. ولدى زيز الحصاد طبلتان في البطن يهزهما
بوساطة عضلات داخل جسمه لتحدث الصوت.
كما يحدث
العديد من الخنافس أصواتاً بحك بعض أجزاء من أجسامها ببعض إضافة إلى ذلك فهي تحدث
أصواتاً دوامة وأزيزاً بوساطة أجنحتها، كما تحدث صفيراً بدفع الهواء فجأة إلى
الخارج من شبكة القصبات الهوائية عبر الثغور التنفسية. أما طنين الذباب والنحل
فتحدثه حركة أجنحتها السريعة، وذكور البعوض حساسة جداً للأصوات التي تحدثها الإناث
بأجنحتها.
اللمس.
الحشرات شديدة الحساسية للمس وهي أكثر إحساساً للمس من البشر. وتتكون أعضاء اللمس
في الحشرات من شعيرات وأشواك تغطي جسم الحشرة حتى عيونها، وتكثر تلك الشعيرات على
قرون الاستشعار. وعندما يحدث أي ضغط فإنه يحرك تلك الشعيرات محدثاً نبضات عصبية
ترسل إلى الدماغ. وبعض الشعيرات ذات حساسية مفرطة لدرجة أن أرق نسمة من الهواء
تثيرها، وأن الإنسان مهما تأنى في تحريك يده نحو ذبابة ما، فإنها تحس بذلك عن طريق
شعيراتها التي تخبرها أن الهواء قد حُرّك، ولذا تطير مسرعة بعيداً عنه.
التذوق.
يستطيع كثير من الحشرات التمييز بين الطعوم الأربعة التي يميزها البشر وهي:
الحلاوة، والحموضة، والملوحة، والمرارة. وتتفاوت مقدرة التذوق من حشرة إلى أخرى
حسب النوع، فبعض الحشرات لديها حاسة ذوق قوية، فمثلاً يجب أن يزاد تركيز السكر في
الماء الذي تستطيع الفراشة الملكة تذوقه ٢,٠٠٠ مرة حتى يستطيع الإنسان أن يتذوقه.
توجد
أعضاء التذوق في معظم الحشرات في أجزاء الفم، وبعض الحشرات مثل: النمل والنحل
والزنابير لها - أيضاً - أعضاء تذوق في قرون استشعارها. فهي تلمس الطعام بقرني
استشعارها، فإذا راق لها طعمه التهمته، بينما تتذوق بعض الحشرات الأخرى مثل:
الفراشات وبعض العثات، والذباب، ونحل العسل عن طريق أرجلها، ولذلك فهي تمد خرطومها
للتغذية، حالما تطأ شيئاً ذا طعم شهي. وبعض أنواع الزنابير والجدادجد لها أعضاء
تذوق في آلة وضع البيض، تستعملها لتذوق الأماكن التي سوف تضع بيضها فيها، حيث يوجد
الغذاء المناسب لصغارها.
الشم.
يوجد الإحساس بالشم في الحشرات أساساً في قرون الاستشعار. ولكثير من الحشرات حاسة
شم قوية تستعملها لتحديد مواقع الطعام ولتحديد اتجاهاتها في تجوالها، وكذلك لتحديد
أماكن وضع بيضها. وتُستعمل تلك الحاسة - أيضاً - للتعرف على الحشرات الأخرى من نفس
نوعها، ولتحديد الرفيق للتزاوج. ويحدد النحل والنمل أفراد مستعمرته عن طريق
الرائحة. ويطرد النمل أفراد النمل الغريبة عن مستعمرته، بل يقتلها إذا حاولت
الدخول في المستعمرة. وتعتمد ذكور العثات أساساً على حاسة الشم في التعرف على
رفاقها من الإناث للتزاوج. ويمكن أن تنجذب إلى رائحة الإناث من مسافة كيلومترين
تقريباً ولكنها تفقد أي اهتمام بالإناث إذا أزيلت عنها قرون استشعارها.
تفصيل
ميكانيكي وعلمي لمحتوى الوثائق
أولاً:
البصريات الهندسية وميكانيكا الرؤية
- العين
المركبة (Compound Eye): تتكون هندسياً من وحدات بصرية
مستقلة تُدعى "العديسات" أو "العوينات" (Ommatidia). كل عوينة تعمل كمستقبل ضوئي منعزل
يغطي زاوية رؤية ضيقة جداً. الصورة النهائية لا تنتج عن تجميع بؤري واحد
كالعين البشرية، بل هي "صورة فسيفسائية" (Mosaic
Image) يركبها الدماغ الحشري من آلاف النقاط الضوئية، مما يمنحها
تفوقاً حاسماً في رصد التغيرات الحركية السريعة ومعدل وميض مرتفع (Flicker Fusion Frequency)، وهو ما يفسر صعوبة مباغتتها.
- رؤية
الطيف غير المرئي:
تمتلك بعض الحشرات مستشعرات بروتينية (Opsins) حساسة للموجات
الكهرومغناطيسية قصيرة الطول الموجي (الأشعة فوق البنفسجية UV)، والتي تستخدمها في تحديد مسارات
الهبوط على الأزهار (علامات رحيقية مخفية)، بينما تستخدم الخنافس الأشعة تحت
الحمراء (Thermal IR) لرصد مصادر الحرارة والحرائق من
مسافات شاسعة.
ثانياً:
الميكانيكا الصوتية والاهتزازية
- السمع عبر
الأرجل والأعضاء الطبلية (Tympanal Organs): يمثل
وجود الآذان على السيقان الأمامية للجدادجد حالة فريدة من الهندسة الصوتية
الحيوية. فالأرجل توفر مسافة فاصلة تساعد في حساب "الفارق الزمني والشدة
الصافية" واصلةً للصوت بين الرِجلين، مما يمكن الحشرة من تحديد الاتجاه
الدقيق لمصدر الصوت (التحديد الزاوي).
- الصرير
وحك الأعضاء (Stridulation): لا تمتلك
الحشرات أحبالاً صوتية، بل تعتمد على نظام ميكانيكي خشن يتكون من
"المحك" (Plectrum) و"المبرد" (File)، حيث يؤدي احتكاكهما المتبادل بسرعة
عالية إلى توليد اهتزازات ترددية تضخمها الأجنحة أو تجاويف البطن كصندوق رنين
فيزيائي.
ثالثاً:
الكيمياء الحسية المستقرأة (الشم والتذوق واللمس)
- التذوق
بالأرجل (Tarsal Chemoreceptors): تحتوي
أرجل الفراشات والذباب على خلايا حسية كيميائية متخصصة. بمجرد ملامسة المخالب
(Tarsi) للسطح، تنفتح القنوات الأيونية
استجابةً للجزيئات السكرية، مما يعطي إشارة عصبية فورية ومباشرة للخرطوم
ليمتد دون حاجة لابتلاع المادة أولاً.
- المستشعرات
الهوائية الفائقة (Sensilla): الشعيرات
المغطية لقرون الاستشعار ليست مجرد زوائد، بل هي تراكيب جوفاء مرتبطة بنهايات
عصبية حرة. تعمل ميكانيكياً كمقاييس لضغط الهواء (بارومترية) ورطوبته،
وكيميائياً كمستقبلات فرمونية فائقة الحساسية؛ حيث يكفي جزيء فرموني واحد
تطلقه أنثى العث لتستحث استجابة كهروفيزيائية في قرن استشعار الذكر على بعد
كيلومترات.
التعليقات (0)