نبذة تاريخية
قام العلماء المختصون بترجمة ألواح الطين البابلية، فاتضح أن البابليين كانوا على قدر كبير من البراعة في علم الحساب والفلك، وذلك منذ أكثر من ٤٠٠٠ سنة؛ حيث قاموا باستحداث وتطوير النظام الذي نستخدمه الآن لقياس الزوايا بالدرجات والدقائق والثواني. ولما كان هنالك ٦٠ ثانية في الدقيقة، و ٦٠ دقيقة في الساعة، فقد بني هذا النظام على العشرات حتى العدد ٦٠، وعلى ٦٠ من بعد ذلك. وتدل الألواح الطينية على أن البابليين منذ ما يقرب من ٢٤٠٠ سنة مضت قد استخدموا رمزاً للعدد صفر، ورمزاً آخر للفاصلة العشرية. ومع أننا قد ورثنا فكرة استخدام العدد ٦٠ للزمن والزوايا، إلا أن فكرة البابليين عن قيمة الخانة ضاعت منا حتى أعاد الهنود اكتشافها.
العرب وعلم الحساب. كانت طريقة العرب القديمة في الحساب هي نظام العدّ في كل عمليات البيع والشراء والتوريث وقياس الأرض وعمليات الوزن والمكيال وتوزيع الغنائم وحساب الأيام والليالي... إلخ. وكان ذلك إلى بداية العصر العباسي، ثم أخذوا بعد ذلك بحساب الجمل أي بالأحرف.
بعد ذلك، أخذوا الأرقام والصفر عن الهنود، فقاموا بتوحيدها واستخدامها في عمليات الترقيم والتدوين ومسائل الحساب كافة، حتى ظهر الصفر مرسوماً على هيئة نقطة صغيرة هكذا (.) كما نفعله في العصر الحديث، ولقد كان لظهور الصفر دور كبير في حل مسائل حسابية كثيرة وبناء المعادلات الرياضية الكبرى التي ظهرت فيما بعد.
ومن الذين اهتموا بالرياضيات وعلوم الحساب الكندي (ت ٢٥٢هـ) وجماعة إخوان الصفا وأبو بكر محمد بن الحسن الكرخي (ت ٤٢٠هـ) وابن البنّاء المراكشي (ت ٧٢١هـ) وغياث الدين جمشيد الكاشي (ت ٨٤٠هـ) صاحب كتاب مفتاح الحساب حيث توسع في استخدام الأرقام الهندية، وابن الهائم القاضي (ت ٨١٥هـ) وغيرهم من علماء الحساب الذين وضعوا أصوله وألفوا في مناحيه الكثير من المسائل والأرقام والعوامل الحسابية وعلاقاتها بعضها ببعض.
الشرح الوافي والمعلومات الإضافية المتممة للنص
أولاً: النظام الستيني البابلي (Sexagesimal System)
- الجذور الميكانيكية للنظام: اختار البابليون العدد (60) كأساس لنظامهم العددي بدلاً من النظام العشري (الذي يعتمد على الأصابع العشرة) لمرونته الرياضية الفائقة. العدد 60 هو أصغر عدد يقبل القسمة على الأعداد الصالحة الأولى: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 10، 12، 15، 20، 30. هذا التنوع سهّل تقسيم الحصص والزوايا والمواريث دون الحاجة إلى التعامل مع كسور معقدة.
- أثر النظام في الحضارة المعاصرة: تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية، هو إرث بابل المباشر الممتد منذ آلاف السنين عبر الفلكيين الإغريق والعرب وصولاً إلى العصر الرقمي الحالي.
ثانياً: مفهوم قيمة الخانة (Place-value notation) والتطور المستقل للصفر
- الصفر البابلي: كان الصفر عند البابليين عبارة عن رمز نائب (Placeholder) يُستعمل لملء الفراغ بين الخانات (مثل التفريق بين 15 و 105)، ولم يكن يُنظر إليه كقيمة رياضية مستقلة (أي أن "لا شيء" يساوي صفراً).
- الانقطاع وإعادة الاكتشاف: ضياع نظام الخانة البابلي أدى إلى بطء في تطور علم الجبر الرياضي في الغرب والشرق الأدنى لفترة زمنية، حتى طوّر الهنود نظاماً مشابهاً يعتمد على الخانات وعاملوا الصفر كقيمة مستقلة قابلة للجمع والطرح الحسابي.
ثالثاً: تطور الحساب عند العرب (من الحساب الذهني إلى حساب الجمل)
- حساب العقود (الذاتي): اعتمد العرب قبل الإسلام وفي صدر الدولة الأموية على "حساب اليد" أو "حساب العقود" (العقود الذهنية)، حيث كانت العمليات الحسابية تُجرى ذهنيًا وتُسجل النتائج دون رموز رقمية، بل تُكتب الكلمات كليًا باللغة العربية (مثل: مائة وخمسة وثلاثون).
- حساب الجُمَّل: وهو نظام تم فيه إعطاء كل حرف من حروف الأبجدية (أبجد هوز كلمن...) قيمة عددية محددة (الألف = 1، الباء = 2، الجيم = 3... الياء = 10، الكاف = 20... الغين = 1000). استخدم هذا النظام لتأريخ الأحداث والحروب والمعاملات التجارية قبل انتشار الأرقام الحالية.
رابعاً: الثورة الصفرية ومدرسة الحساب العربية العباسية
- الخوارزمي والنقلة النوعية: على الرغم من إشارة النص إلى العلماء اللاحقين، فإن الركيزة الأساسية بدأت عبر محمد بن موسى الخوارزمي الذي أدخل النظام الهندي إلى العربية في كتابه "الجمع والتفريق بحساب الهند"، وطوّر مفهوم "الصفر" (من الكلمة العربية الصفر الحاملة لمعنى الخلوّ والوفاض) ليمثل نقطة كقيمة مجردة.
- تطور الصفر إلى النقطة والدائرة: استعمل العرب النقطة (.) لتمثيل الصفر في النظام المشرقي (الأرقام الغبارية الحالية في المشرق)، واستعملوا الدائرة (0) في النظام المغربي (الأرقام الأندلسية المستعملة دولياً الآن)، مما مكّن العالم من حل المعادلات ذات الدرجات العليا وبناء علم الجبر الحديث كعلم مستقل عن الهندسة.
التعليقات (0)