الحركة التقدمية حملة قامت من أجل الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة وبدأت أثناء الكساد العام الذي ساد الأمة بأسرها مابين عامي ١٨٩٣ و ١٨٩٧م. وانتهت الحركة حينما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٧م. وعندئذ تحول الأمريكيون بأنظارهم من الإصلاح إلى الحرب. نمت الصناعة في الولايات المتحدة نمواً كبيراً في القرن التاسع عشر الميلادي، وتسبب هذا التصنيع السريع في وجود مشاكل الاحتكار التجاري والسياسات الفاسدة والأحياء الشعبية الشديدة الازدحام، وظروف العمل القاسية في المصانع والمناجم. وفي الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، ساعد المصلحون في استحداث قوانين تهدف إلى التخفيف من وطأة هذه المشكلات. وكان هؤلاء المصلحون قد أطلقوا على أنفسهم اسم التقدميين في غضون عام ١٩٠٥م. وكان لهم تأثير عظيم على المستوى المحلي ومستوى الولاية، حيث بدأت الحركة حين كانت المعارضة للإصلاح قوية على المستوى القومي؛ ومع ذلك، فقد تبنى الكونجرس الأمريكي بالفعل بعض معاييرهم التقدمية الرئيسية. الإصلاحات الاقتصادية. أدت الحركة التقدمية إلى زيادة التنظيمات الحكومية للأعمال وسلسلة من الإصلاحات الضريبية؛ ففي عام ١٨٩٠م، صدق الكونجرس الأمريكي على قانون شيرمان المضاد للاحتكار بين الشركات، وبموجبه تم حظر الاحتكارات الصناعية التي تحد من المنافسة، ولم يكن لهذا القانون تأثير فوري لأن صياغته اللغوية كانت مبهمة، فعمل التقدميون على إصدار قانون أكثر قوة لمنع الاستغلال أو الممارسات التجارية الخاطئة. وفي عام ١٩١٤م، أسس الكونجرس مفوضية التجارة الفيدرالية لمنع الممارسات التجارية غير القانونية. وقبل حركة التقدميين، كان كثير من الضرائب ينبني على أساس الملكية، ولكن أخفى بعض الأغنياء ملكياتهم من الأسهم والسندات عن الحكومة، ولم يدفعوا الضرائب عنها، ولهذا السبب، طالب التقدميون بأن تعتمد الضرائب على الدخل أكثر من اعتمادها على الملكية. وبحلول عام ١٩١١م، تمكنت ولاية وسكنسن الأمريكية من إصدار أول قانون لضريبة الدخل. وبعد عامين سن الكونجرس تشريعاً لأول ضريبة دخل فيدرالية دائمة في الولايات المتحدة الأمريكية. الإصلاحات السياسية. كان بعض من مديري الأعمال والسياسيين من ذوي الذمم الفاسدة، يسيطرون على كثير من حكومات الولايات والمحليات بالمدن، وحاولوا وقف الإصلاحات الاقتصادية؛ ولكن في الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين تمكن العمد من التقدميين من الوصول للمناصب في عدد من المدن، ومن هؤلاء توم جونسون من كليفلاند، وصامويل جونسن من توليدو بولاية أوهايو وغيرهما. ولقد شرعوا في إنهاء الفساد في تنفيذ القانون وفي خدمات النقل العام، والخدمات الأخرى بالمدن. وعمل التقدميون على زيادة القوة السياسية للناخبين. وبحلول عام ١٩٠٣م، أصبحت لوس أنجلوس أول مدينة تصدق على قانون الإقالة الذي يعطي الناخبين حق خلع الشخص من منصبه قبل أن تنتهي فترة شغله المنصب. تبنت حكومات الولايات القضايا السياسية. وحول عدد من الولايات لمدنها حق الحكم المحلي الذي يجعل كل مدينة تدير أمورها بنفسها. وفي عام ١٨٩٨م، أصدرت ساوث داكوتا أول قوانين الولاية، وهي المبادرة والاستفتاء. وبموجب هذا القانون يمكن للناخبين أن يسنوا تشريعات دون موافقة مشرعي الولاية. أما قانون الاستفتاء فقد خول للناخبين حق نقض القوانين التي يتبناها مشرعو الولاية. وقامت ولاية وسكنسن بزعامة الحاكم روبرت لافلوت بتبني أول قانون ذي فاعلية للانتخابات الأولية المباشرة عام ١٩٠٤م، وسمح هذا القانون للناخبين بتعيين المرشحين. وقبل ذلك كان كل حزب سياسي يعقد مؤتمراً للمندوبين لاختيار المرشحين. أما الإصلاحات السياسية على المستوى الفيدرالي للأمة الأمريكية، فقد شمل التعديل السابع عشر لدستور الولايات المتحدة. ونص هذا التعديل الذي صدر عام ١٩١٣م على قيام الشعب بالانتخاب المباشر لاختيار أعضاء مجلس الشيوخ؛ وقبل ذلك كان المشرعون لكل ولاية ينتخبون أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي. الإصلاحات الاجتماعية. كان للتقدميين تحسينات في المعيشة وظروف العمل للفقراء، وبفضلهم أصدر العديد من الولايات قوانين منظمة للإسكان لتخفيف حدة الازدحام في الأحياء الفقيرة من المدن. وفي بعض هذه الأحياء، أقام التقدميون مراكز تُسمى مساكن الاستقرار، يتقابل فيها المصلحون وسكان الأحياء الفقيرة للعمل على تحسين أحوال هذه الأحياء، ومن أشهر هذه المراكز مركز بهال هوس الذي أسسه جين آدمز وألين ستار عام ١٨٨٩م، وهما من الاختصاصيين الاجتماعيين. في كثير من المصانع والمناجم، عمل الموظفون والعمال ساعات طويلة بأجور منخفضة في تشغيل آلات غير آمنة. وساعد التقدميون على استحداث قوانين للولاية تفرض احتياطات السلامة في المصانع، وتعطي العامل أحقية التعويض عن الإصابات التي تحدث في العمل، كما حددت بعض الولايات حداً أدنى للأجور. وفي أوائل القرن العشرين الميلادي، قام بعض الكتاب المعروفين بالباحثين عن الفضائح بتعرية كثير من المظالم الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. وساعد عملهم هذا على استحداث إصلاحات جديدة. ومن قادة كتاب البحث عن الفضائح جاكوب ريس، أبتون سنكلير، ولنكولن ستيفنس. وعلى الرغم من إنجازاتهم، لم ينجح التقدميون في كبح جماح الشركات التجارية الكبيرة بشكل مؤثر، ومع ذلك، فقد كشفوا المظالم، وأوجدوا نمطاً من الإصلاح أصبح أساساً لحركات الإصلاح التالية في القرن العشرين.
توسيع معرفي ومعلومات إضافية
الباحثون عن الفضائح (Muckrakers): أطلق الرئيس ثيودور روزفلت هذا المصطلح لأول مرة في عام 1906 لوصف الصحفيين الاستقصائيين الذين كشفوا الفساد، مستعيراً إياه من كتاب "رحلة الحاج" لجون بانيان، ورغم أنه استخدمه في سياق نقدي، إلا أن المصلحين تبنوه كلقب فخر لعملهم في كشف الحقائق.
أبتون سنكلير ورواية "الأدغال" (The Jungle): أحدثت هذه الرواية التي نشرت عام 1906 صدمة هائلة في المجتمع الأمريكي؛ فبدلاً من التركيز على ظروف العمال كما تمنى الكاتب، ركز الجمهور على الفساد في صناعة اللحوم، مما دفع الكونجرس لإصدار "قانون تفتيش اللحوم" و"قانون الغذاء والدواء النقي" في نفس العام.
كارثة مصنع "ترايانغل شيرتوايست": في عام 1911، أدى حريق مروع في هذا المصنع بنيويورك إلى وفاة 146 عاملاً، وكان هذا الحدث بمثابة نقطة تحول أدت إلى فرض قوانين صارمة لسلامة المصانع وساعات العمل، وخاصة للنساء والأطفال.
جين آدمز وجائزة نوبل: لم يكن مركز "بهال هوس" (Hull House) مجرد مأوى، بل كان مركزاً تعليمياً وثقافياً واجتماعياً رائداً، وقد أصبحت جين آدمز بسببه أول امرأة أمريكية تفوز بجائزة نوبل للسلام في عام 1931 تقديراً لجهودها في الإصلاح الاجتماعي.
التعديلات الدستورية الكبرى: شهد العصر التقدمي إقرار أربعة تعديلات دستورية مفصلية: التعديل الـ 16 (ضريبة الدخل الفيدرالية)، والـ 17 (الانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الشيوخ)، والـ 18 (حظر الكحول)، والـ 19 (حق المرأة في التصويت)، مما أعاد تشكيل هيكل الديمقراطية الأمريكية.