كيف سارت الحرية منذ اليونان إلى اليوم

 




نبذة تاريخية

في ظل اليونان وروما القديمتين، نالت الطبقات العليا، دون سواها، حرية واسعة. وفي حوالي عام 500 ق.م، نشأت حكومات ديمقراطية في أثينا وعدد من دول المدن الإغريقية، وكان يجوز للمواطنين اختيار المسؤولين عن السلطة وتولي مناصب فيها. غير أنهم كانوا يشكلون أقلية بين السكان، إذ لم تكن للنساء والعبيد والأجانب هذه الحقوق.

وفي روما، بعد أن تحولت إلى جمهورية من سنة 509 إلى سنة 27 ق.م، نالت الطبقات العليا العديد من الحريات، إلا أنه لم يكن باستطاعة الطبقات الدنيا تولي وظيفة عامة أو الزواج من أسر الطبقات العليا. وكان العبيد هم أدنى الطبقات وكانوا يُعتبرون نوعاً من الملكية وليست لهم حقوق قانونية.

العصور الوسطى. أفرزت هذه العصور في أوروبا نظاماً سياسياً واقتصادياً أطلق عليه النظام الإقطاعي. في ظل الإقطاعية، أعطي الفلاحون المعروفون باسم رقيق الأرض حرية محدودة، بينما حظي النبلاء بالكثير منها. وكان نبلاء المرتبة الدنيا يزودون نبلاء المرتبة العليا (الأسياد أو اللوردات) بالجنود، ويدفعون لهم الضرائب. ويُعرف هؤلاء النبلاء الأقل مرتبة بأتباع السيد. حصل الأتباع على كثير من الحقوق المهمة، منها مثلاً، أن على السيد أن يستدعي أتباعه لأخذ موافقتهم قبل أن يجمع ضرائب إضافية. وكان هناك تقليد آخر يقضي بتسوية الخلافات بين تابع وسيده في محكمة تتكون من نظراء التابع؛ أي رجال من نفس المرتبة.

في سنة 1215م، صادق يوحنا ملك إنجلترا على وثيقة سميت الماجنا كارتا - وثيقة حقوق الإنسان - بموجب هذه الوثيقة، اكتسب كثير من الحريات الإقطاعية التقليدية الصفة القانونية. وقد مهدت تلك الوثيقة السبيل لتطور البرلمان في فرنسا. فضلاً عن ذلك، أقرت الوثيقة بعدم جواز سجن رجل حر أو نفيه أو نزع ملكيته إلا بموجب القانون. من هذا المفهوم، نمت الأفكار عن الإجراءات القانونية، والمحاكمة أمام هيئة محلفين.

وفي القرون الوسطى، حظرت الكنيسة حرية الفكر في أوروبا، وشددت الخناق على المسلمين وعلى كل ما خالف معتقداتها. وفرضت قيوداً على الكتابة فيما اعتبرته مناقضاً لتعاليم الكنيسة.

عصر العقل. خلال عصر العقل، أخذ كثير من الناس في النظر إلى الحرية بوصفها حقاً طبيعياً. وأجاز البرلمان الإنجليزي وثيقة بيان الحقوق الإنجليزية سنة 1689م. وقد أثبتت هذه الوثيقة الحقوق والحريات الأساسية للشعب الإنجليزي.

وفي الوقت نفسه، أعلن الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن كل فرد ولد وله حقوق طبيعية لا تسلب منه، مثل: حق الحياة، وحق الامتلاك، وحرية الرأي، والدين، والتعبير. وقد ورد تفصيل ذلك في كتابه رسالتان في الحكم (1690م).

بعد انتشار الثورة الصناعية خلال سني القرن الثامن عشر، توطدت دعائم نظام النشاط التجاري الحر، ودافع الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث عن حرية حركة رأس المال والأسواق، وهو ما عُرف بعبارة حرية التعامل الاقتصادي، في كتابه ثروة الأمم (1776م).

خلال القرن الثامن عشر الميلادي، تحدث مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين البارزين في مقدمتهم مونتسكيو، وجان جاك روسو، وفولتير مدافعين عن حقوق الفرد وحرياته. دعا كتاب مونتسكيو روح القوانين (1748م) إلى الفصل بين السلطات، وتقسيمها إلى فروع تنفيذية وتشريعية وقضائية. وأعلن روسو في كتابه العقد الاجتماعي (1762م) أن الحكومة تستمد سلطتها من عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

مهدت هذه الكتابات لقيام الثورة الفرنسية التي بدأت سنة 1789م، واشتعلت الثورة بفكرة الحرية والمساواة، ولم تنجح في تحويل فرنسا إلى ديمقراطية، إلا أنها أحدثت تغييرات رئيسية في المجتمع الفرنسي.

القرن التاسع عشر. حفلت أعوام هذا القرن بممارسة كثير من المفاهيم عن الحرية التي كانت قد تطورت في عصر العقل. ففي عام 1830م، ثم عام 1848م، اكتسحت الثورات أغلب أنحاء أوروبا. وفقد الحكام الكثير من سلطاتهم. وبحلول عام 1848م، نال المواطنون في كثير من البلاد حقوقاً مدنية أساسية، من بين هذه البلاد بلجيكا والدنمارك وهولندا. وخلال القرن التاسع عشر، أنهت البلاد الأوروبية الرق. لكن الاستعمار الأوروبي انتشر في إفريقيا وآسيا.

وخلال القرن التاسع عشر، نال العمال كثيراً من الحقوق المهمة. ووضعت كثير من البلدان قوانين تنظم ظروف العمل في المصانع وحصل العمال على حق تشكيل النقابات.

القرن العشرون. بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، أقام كثير من البلاد الأوروبية أنظمة ديمقراطية تمثيلية. وتوسع مفهوم الحرية ليشمل حق العمل، والرعاية الصحية، والغذاء المناسب، والسكن.

وفي عام 1948م، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد عدد هذا الإعلان الحقوق والحريات التي رأت الأمم المتحدة أنها يجب أن تكون أهدافاً لكل الدول.


توسع معرفي ومعلومات إضافية

  • تطور مفهوم المواطنة: في أثينا القديمة، كانت "المواطنة" امتيازاً نادراً؛ حيث قُدر عدد من يحق لهم التصويت بحوالي 10% إلى 20% فقط من إجمالي السكان، مما يجعلها ديمقراطية نخبوية بمعايير اليوم.

  • الماجنا كارتا (الميثاق الأعظم): رغم أنها وُقعت تحت ضغط النبلاء (البارونات) لتأمين مصالحهم ضد الملك يوحنا، إلا أنها أصبحت حجر الزاوية للدستور البريطاني وملهماً للدساتير العالمية، لأنها وضعت الملك تحت سلطة القانون لأول مرة.

  • جون لوك والثورة الأمريكية: أفكار جون لوك حول الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية) لم تؤثر فقط في إنجلترا، بل كانت الوقود الفكري لإعلان الاستقلال الأمريكي، حيث استبدل توماس جيفرسون "الملكية" بـ "السعي وراء السعادة".

  • الفصل بين السلطات: نظرية مونتسكيو تهدف في الأصل لمنع الاستبداد؛ فإذا اجتمعت سلطة وضع القوانين وسلطة تنفيذها في يد واحدة، ضاعت الحرية.

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: صاغته لجنة برئاسة "إليانور روزفلت"، ويحتوي على 30 مادة، وهو الوثيقة الأكثر ترجمة في العالم، حيث تُرجمت إلى أكثر من 500 لغة.

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...