لماذا يطلق على الحجر الصحي بـ "كرنتينا" Quarantine وهل ابن سينا أول من طلب الحجر الصحي؟

 



الحجر الصحي عزل أشخاص بعينهم، أو أماكن، أو حيوانات، قد تحمل خطر العدوى. وتتوقف مدة الحجر الصحي على الوقت الضروري لتوفير الحماية، في مواجهة خطر انتشار أمراض بعينها. عرف المسلمون نوعين من الحجر الصحي؛ الحجر المكاني للأشخاص، وحجر الحيوانات. وقد نهى الرسول ﷺ عن الدخول أو الخروج من البلد الذي تنتشر فيه الأوبئة كالطاعون مثلاً، كما أمر ألا يأتي صاحب الحيوانات المريضة بحيواناته لترعى مع الحيوانات السليمة. أما الحجر الصحي الرسمي فيعود إلى مدينة البندقية، في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث أدركت سلطات المدينة أن السفن المقبلة من شرقي البحر المتوسط كانت سبباً في نقل بعض الأوبئة إلى المدينة، وفي البداية كانت السفن تُعزل لمدة 30 يوماً، ولكن هذه المدة زيدت في وقت لاحق إلى 40 يوماً. وقد افتتحت البندقية أول محجر صحي، وذلك على جزيرة قريبة منها في 1423م، وسرعان ما تبنت البلاد الأخرى هذا النظام، وأصبح نموذجاً لعملية ضبط الحجر الصحي الدولي على امتداد قرون أعقبت ذلك.

أما اليوم، ومع توفر الفهم الأوضح للأمراض المعدية، فإن الحجر الصحي للبشر نادراً ما يكون أمراً ضرورياً. غير أن الحجر الصحي الدولي ربما يستمر العمل به في الموانئ والمطارات ونقاط الحدود، وذلك في حالة ما إذا تم العثور على حالة إصابة أكيدة بمرض معدٍ خطر، مثل الكوليرا، أو الطاعون الدبلي، على متن سفينة أو طائرة أو قطار. وإذا ما وُجد مثل هذا المرض، فإن السفينة لابد لها من المكوث في المرفأ مع رفعها للراية الصفراء. قامت دول كثيرة بإصدار قوانين لحماية أراضيها ومواطنيها من الأمراض، فعلى سبيل المثال قامت الحكومة البريطانية، بمقتضى قانون تم إصداره في سنة 1979م بوضع لوائح للحجر الصحي تُطبق على أي سفينة أو طائرة تصل إلى بريطانيا وعلى متنها حالة مؤكدة من حالات الإصابة بوباء يتعرض له البشر أو بالكوليرا. كما يتم أيضاً - بمقتضى هذا القانون - إخضاع السفن والطائرات للحجر الصحي، إذا ما وصل من بلاد تنتشر فيها عدوى أمراض معدية، مثل الحمى الصفراء. غالباً ما يتم إخضاع الحيوانات للحجر الصحي. ويدوم هذا الحجر في بعض البلدان عادة ستة أشهر. والقصد منه هو إبعاد الإصابات بداء الكلب. ولدى كثير من البلدان لوائح صارمة بشكل خاص، للحيلولة دون أمراض الحيوانات والنباتات؛ فمن المحظور استيراد الماشية والأغنام إلى تلك البلدان، ولابد من أن تكون الحيوانات الأخرى مصحوبة بشهادات صحية، وقد يتم عزلها في محطات للحجر الصحي لمدد طويلة. وتتم بصفة خاصة معالجة أي واردات من المواد الحيوانية الخام، مثل الشعر أو الجلود، وذلك لتلافي أي عدوى محتملة، وتُطبق ضوابط مماثلة على النباتات المستوردة، سواء أكانت حية أم ميتة.


توسيع معرفي ومعلومات إثرائية

  • أصل التسمية: كلمة "Quarantine" مشتقة من اللغة الإيطالية (Quaranta Giorni)، وتعني "أربعين يوماً". كانت هذه هي المدة التي فرضتها السلطات في البندقية على السفن والركاب القادمين من المناطق الموبوءة بالمرض قبل السماح لهم بدخول الميناء خلال جائحة الموت الأسود.

  • تطور المدة: في الأصل كانت المدة 30 يوماً وتُسمى "Trentine"، ولكن رُفعت إلى 40 يوماً لأسباب غير واضحة تاريخياً بشكل قطعي، ويرجح البعض أنها استندت لمدد دينية أو طبية قديمة تتعلق بفترة حضانة الأمراض.

  • اللازاريتو (Lazaretto): يُطلق هذا الاسم تاريخياً على محطات الحجر الصحي الدائمة، وأول محطة أُنشئت كانت على جزيرة "سانتا ماريا دي نازاريت" في البندقية عام 1423م، ثم انتشر المفهوم عالمياً مثل محطة "إليس آيلاند" في نيويورك.

  • الراية الصفراء (Lima): في القانون البحري الدولي، تُعرف الراية الصفراء بـ "كيو" (Quebec). رفعها على السفينة اليوم يعني طلب الإذن بالمرور لأن السفينة "سليمة" وتطلب الكشف الصحي، ولكن تاريخياً كان رفعها يعني وجود وباء على المتن وتحذير السفن الأخرى من الاقتراب.

  • ابن سينا والحجر الصحي: يُعد الطبيب المسلم ابن سينا من أوائل من اقترحوا فكرة الحجر الصحي للحد من انتشار الأمراض المعدية، حيث ذكر في كتابه "القانون في الطب" أن الأمراض تنتقل بواسطة جسيمات دقيقة لا تُرى بالعين المجردة، واقترح العزل لمدة 40 يوماً كإجراء وقائي.

  • الحجر النباتي: لا يقتصر الحجر على البشر والحيوانات؛ إذ تفرض الدول "حجراً زراعياً" لمنع دخول آفات زراعية أو فطور عابرة للحدود قد تدمر الأمن الغذائي، مثل منع دخول شتلات معينة إلا بعد فحصها مخبرياً لعدة أسابيع.

  • الجوانب القانونية الحديثة: تمنح منظمة الصحة العالمية (WHO) للدول الحق في فرض إجراءات حجر صحي بموجب "اللوائح الصحية الدولية"، وهو ما تجلى بوضوح خلال جائحة كوفيد-19 التي أعادت تعريف مفهوم "الإغلاق الشامل" كنوع من أنواع الحجر الجغرافي الواسع.

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...