ماذا يعني الحرب الباردة والردع النووي؟

 




الحرب الباردة مصطلح يُشار به إلى التنافس الحاد الذي كان قائماً بين الدول الشيوعية والدول الغربية في الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، وكان أحد طرفي التنافس هو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (سابقاً) وحلفاؤه الشيوعيون الذين عُرفوا بالكتلة الشرقية. وفي الطرف المقابل كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الديمقراطيون الذين سُمّوا بالكتلة الغربية. أما الصراع بين الجانبين فقد سُمّي الحرب الباردة لعدم اشتماله على حروب ساخنة ذات قيمة تُذكر.

بداية الحرب الباردة. بدأت الحرب الباردة عام 1941م حين هاجمت ألمانيا الاتحاد السوفيتي حيث كان كل من الاتحاد السوفيتي ودول التحالف الغربي حلفاء في تلك الحرب، وقد كان التحالف الغربي يضم كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى. ووصل التعاون والتنسيق بين الحلفاء والاتحاد السوفيتي قمته في مؤتمر يالطا الذي عُقد عام 1945م قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين يصر على السيطرة على دول أوروبا الشرقية بعد أن تحررت من الاحتلال الألماني بوساطة الجيوش السوفيتية. ولذا لم يوافق الاتحاد السوفيتي على إعلان أوروبا الحرة التي كان الحلفاء قد وعدوا بإجراء انتخابات نيابية ديمقراطية فيها بعد تحريرها.

وبعد نهاية الحرب، قطع الاتحاد السوفيتي تقريباً جميع الاتصالات بين الغرب وبين المناطق التي يسيطر عليها في شرقي أوروبا. وقد حذر رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرتشل من أن "ستاراً حديدياً قد نُصب في وسط القارة الأوروبية". وبحلول عام 1948م كانت كل من بلغاريا ورومانيا والمجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا ويوغوسلافيا، تحكمها حكومة شيوعية. وقد تبادل الشرق والغرب العداء في الأمم المتحدة، وكانت المنظمة حديثة التكوين حينئذ. وتبنى الغرب سياسة الحصار لتحجيم التوسع الشيوعي. ونادى الرئيس الأمريكي هاري ترومان في مارس 1947م بمبدأ مساعدة الولايات المتحدة لأي دولة حرة تقاوم الهجوم الشيوعي.

وفي عام 1948م، أعلن الحلفاء الغربيون خططاً لتوحيد المناطق الخاضعة لاحتلالهم في ألمانيا وتأسيس دولة واحدة هي جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية). وقد أجاب الاتحاد السوفيتي على ذلك بمحاصرة المدينة الألمانية، برلين مدة أحد عشر شهراً، كانت طائرات الحلفاء تنقل الغذاء والإمدادات جواً إلى برلين، وأخيراً سمح الاتحاد السوفيتي في النهاية في مايو عام 1949م بفك الحصار. وتوحدت كذلك المناطق الخاضعة للقوات السوفيتية تحت سيطرة حكومة شيوعية في دولة واحدة هي جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية سابقاً).

وفي عام 1949م وافق الحلفاء على إنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي معاهدة تحالف عسكري وضعت لحماية ألمانيا الغربية ومنع التوسع السوفيتي. وكذلك عمد الاتحاد السوفيتي، في عام 1949م، إلى إنشاء مجلس التعاون الاقتصادي المشترك (الكوميكون). واهتمت هذه المنظمة بتوحيد الدول الشيوعية تحت قيادة الاتحاد السوفيتي. وفي أغسطس 1949م نجح الاتحاد السوفيتي في اختبار أول قنبلة نووية، وبهذا زادت الريبة وعدم الثقة بين الجانبين. كما أضاف نجاح ماوتسي تونج في الصين وطرده لقوات تشيانج كاي شيك الوطنية في أواخر عام 1949م، عنصراً آخر في إشعال الحرب الباردة.

استمرار الحرب الباردة. استمرت الحرب الباردة حتى بعد موت ستالين عام 1953م وساهمت الحرب الكورية في تطبيق الغرب لسياسة الحصار ضد الشيوعية في الشرق الأقصى. وفي عام 1952م اختبرت الولايات المتحدة قنبلتها الهيدروجينية الأولى، وتبعها الاتحاد السوفيتي بعد عام واحد فقط. كما زاد تماسك الأحلاف العسكرية، فدخلت ألمانيا الغربية في حلف الناتو عام 1955م. مقابل هذا وقع الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه في شرقي أوروبا معاهدة وارسو للدفاع المشترك. وفي عام 1954م وقعت الولايات المتحدة وسبع دول أخرى معاهدة جنوب شرقي آسيا للدفاع المشترك. انظر: السياتو.

وفي عام 1956م، نادى الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بمبدأ التعايش السلمي وذلك يعني التنافس بدون حرب بين الشرق والغرب. لكن المحادثات بين خروتشوف والرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في عام 1960م لم تفلح نظراً لتصادف الاجتماعات مع إسقاط طائرة تجسس أمريكية من طراز يو-2 في وقت كانت تُصور فيه الأراضي السوفيتية.

زادت حدة التوتر بين الشرق والغرب بعد الثورة المجرية عام 1956م، وكذلك أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م، وفي أعقاب الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968م. كما أن تدخل الولايات المتحدة في فيتنام في ستينيات القرن العشرين كاد يحول الحرب الباردة إلى حرب عامة ساخنة. على أن الشرق والغرب عقدا عدة اتفاقيات بينهما. ففي عام 1963م اتفقت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا على توقيع معاهدة تمنع اختبار الأسلحة النووية في الجو أو في الفضاء وكذلك تحت الماء. وأسس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خطاً هاتفياً ساخناً مباشراً بينهما لتقليص احتمال نشوب حرب نووية بطريق الخطأ. وبحلول عام 1970م، أدركت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أنه لا يمكن أن يكون هناك منتصر في حرب نووية شاملة. وحدثت انشقاقات كثيرة بين أعضاء التحالف الواحد. فالصين تخاصمت مع الاتحاد السوفيتي. وفي شرق أوروبا سعت بعض الدول إلى الحصول على استقلال أكبر من السيطرة الروسية. كما أن فرنسا سحبت قواتها من القيادة الموحدة لحلف الناتو. وزادت المجموعة الأوروبية من تجارتها مع الكتلة الشرقية، وشرعت اليابان في الاستقلال النسبي عن السياسة الأمريكية.

إلا أن وضع برلين قد سُوي عام 1972م حيث تم الاتفاق بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية على الانضمام إلى الأمم المتحدة في سنة 1973م، كما سُمح للصين بشغل مقعدها في الأمم المتحدة عام 1971م. وفي عام 1979م تبادلت الصين والولايات المتحدة التمثيل الدبلوماسي.

وفي عام 1972م وقعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سولت). على أن غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان عام 1979م كاد أن يحيي الحرب الباردة من جديد واستجابت الولايات المتحدة لهذا بزيادة إنفاقها العسكري. لكن اتفاقية تقليص الأسلحة الصاروخية التي وُقعت بين الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريجان عام 1987م، خففت من حدة النزاع.

نهاية الحرب الباردة. في عامي 1988م و 1989م سحب الاتحاد السوفيتي قواته من أفغانستان، وبنهاية الثمانينيات أيضاً بدأ الاتحاد السوفيتي تخفيض قواته التقليدية في شرقي أوروبا. وفي داخل الاتحاد السوفيتي سمح جورباتشوف بمزيد من الديمقراطية وحرية التعبير. وشجّع مثل ذلك في أوروبا الشرقية. وفي عام 1989م انتهى الحكم الشيوعي في عدد من بلدان أوروبا الشرقية. ومن ضمنها بولندا والمجر وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وتم تحقيق الوحدة بين شطري ألمانيا الشرقية والغربية في عام 1990م. وتفكك الاتحاد السوفيتي إلى عدد من الدول المستقلة غير الشيوعية. ويعتقد كثير من الناس أن هذه الأحداث وضعت نهاية للحرب الباردة.


توسع معرفي ومعلومات إضافية

شكلت الحرب الباردة هيكلية العالم الجيوسياسية لأكثر من أربعة عقود، وأنتجت أنماطاً فريدة من الصراع والتطور التقني.

سباق الفضاء (The Space Race)

كان التنافس الفضائي واجهة تكنولوجية للحرب الباردة، حيث سعى كل طرف لإثبات تفوق نظامه الأيديولوجي. بدأ السباق بإطلاق السوفيت للقمر الصناعي "سبوتنيك 1" عام 1957م، ووصل ذروته بهبوط الأمريكيين على سطح القمر عبر رحلة "أبولو 11" عام 1969م. لم يكن الهدف استكشافياً فحسب، بل كان مرتبطاً بشكل وثيق بتطوير الصواريخ البالستية العابرة للقارات (ICBMs).

الحروب بالوكالة (Proxy Wars)

رغم تجنب المواجهة المباشرة بين القوتين العظميين لتفادي الفناء النووي (الدمار المؤكد المتبادل - MAD)، إلا أن الصراع اندلع في دول ثالثة. من أبرز هذه الحروب:

  • حرب كوريا (1950-1953): أول صراع مسلح كبير في الحرب الباردة.

  • حرب فيتنام (1955-1975): استنزاف طويل للقوى الأمريكية في مواجهة الشمال الشيوعي المدعوم سوفيتياً.

  • الغزو السوفيتي لأفغانستان (1979-1989): الذي وصف بـ "فيتنام الاتحاد السوفيتي".

التطور الاستخباراتي والتقني

شهدت هذه الحقبة طفرة في تكنولوجيا التجسس، من طائرات الاستطلاع عالية الارتفاع مثل (U-2) إلى الأقمار الصناعية التجسسية. كما أدت الحاجة إلى شبكات اتصال صامدة أمام الضربات النووية إلى أبحاث مبكرة في وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة (DARPA)، مما وضع اللبنات الأولى لظهور شبكة الإنترنت.

السينما والثقافة (Soft Power)

انتقل الصراع إلى الشاشات والأدب؛ حيث روجت هوليوود لقيم "العالم الحر"، بينما ركزت السينما السوفيتية على قيم "الاشتراكية والعدالة الاجتماعية". ظهرت شخصيات أيقونية مثل "جيمس بوند" لتعكس هواجس التجسس والخوف من الأسلحة الفتاكة في تلك الحقبة.

التوازن النووي و"الردع"

اعتمد السلام الهش خلال الحرب الباردة على "توازن الرعب"؛ حيث امتلك الجانبان ما يكفي من الرؤوس النووية لتدمير الكوكب عدة مرات. هذا الواقع هو ما دفع القوتين للجلوس على طاولة المفاوضات للحد من التسلح (مثل اتفاقيات سولت)، خوفاً من أن يؤدي أي خطأ بشري أو تقني إلى إبادة شاملة.

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...