الحداثة مصطلح واسع يشير إلى مذاهب وآراء وممارسات نقدية في الدين والأدب والمعمار والمجتمع. وتنطوي الحداثة في الغرب خاصة على رفض التقاليد ومحاولة إلغاء الماضي والبحث عن اتجاهات ورؤى جديدة تلغي الميتافيزيقا وتؤكد دور الفرد.
وأصل الحداثة، كما تشير المصادر الغربية، حركة نقدية مناهضة لتقاليد الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ونشأت الحركة بشكل متزامن وعفوي في كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية. ومن روادها الأب ألفريد لويزي في فرنسا والأب جورج تريل، اللذان رفضا سلطة البابا فأدانتهما الكنيسة.
نشأت الحركة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، ونادت بضرورة إعادة تفسير الدين وقراءة النصوص الدينية في ضوء المعطيات العلمية والتاريخية والسيكولوجية والفلسفية التي وفرها القرن التاسع عشر، والنظر إلى الدين ونصوصه بعين ناقدة صارمة. وقد أثار هذا حفيظة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي أدانت الحركة وروادها الذين خرجوا على مبادئ الدراسة النصرانية والتأويل المستقر الذي أرسى دعائمه توما الأكويني.
أما في الأدب والمعمار والمجتمع، فليس هناك اتفاق محدد على معنى الحداثة واتجاهاتها بل إن هناك في المعتاد خلطاً بين التحديث والتنمية والمعاصرة والحداثة. ويتجلى هذا الخلط في الخطاب الثقافي العربي المعاصر كثيراً، حيث يقع الخلط أحياناً عديدة بين المعاصرة التي تعني ضمناً التجديد والتحديث، الذي هو طبيعة الحياة، والحداثة التي هي فكر نقدي ديني متطرف ذو منشأ كنسي غربي.
توسيع معرفي ومعلومات إثرائية:
الفرق الجوهري بين التحديث والحداثة: التحديث (Modernization) هو عملية مادية تقنية تتعلق بالبنى التحتية، الاقتصاد، والوسائل التكنولوجية. أما الحداثة (Modernism) فهي مشروع فكري وفلسفي وأدبي يقوم على خلخلة الثوابت، والقطيعة المعرفية مع الموروث، وإحلال المركزية الإنسانية محل الغيبيات.
الموقف الكنسي الصارم: بلغت المواجهة ذروتها عام 1907م عندما أصدر البابا "بيوس العاشر" مرسوماً بعنوان "Lamentabili Sane" وعقبه بمنشور "Pascendi Dominici Gregis"، حيث وصف الحداثة بأنها "مجمع كل الهرطقات"، وفرض على القساوسة والمدرسين الكاثوليك أداء "قسم ضد الحداثة" ظل سارياً حتى عام 1967م.
الحداثة في العمارة: ارتبطت بمبدأ "الشكل يتبع الوظيفة" (Form follows function)، حيث تم التخلي عن الزخارف الكلاسيكية المفرطة لصالح الخطوط الهندسية البسيطة واستخدام المواد الحديثة مثل الفولاذ والخرسانة والزجاج. ومن أبرز روادها "لو كوربوزييه" ومدرسة "باوهاوس".
[Image showing the evolution of architectural styles from Classical to Modernist]
الثورة الأدبية: في الأدب، تميزت الحداثة بكسر السرد الخطي التقليدي واستخدام تقنيات مثل "تيار الوعي" (Stream of Consciousness)، وتعدد الأصوات، والتركيز على العالم الداخلي المشتت للفرد عوضاً عن تصوير الواقع الموضوعي. ويبرز في هذا السياق "جيمس جويس"، "فرجينيا وولف"، و"ت. س. إليوت".
الحداثة السائلة: طور عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" مفهوم "الحداثة السائلة" لوصف الحالة المعاصرة التي تتسم بعدم الاستقرار، وسرعة التغير في العلاقات والقيم، وتحول المجتمعات من الإنتاج إلى الاستهلاك، حيث تفقد الروابط الاجتماعية صلاابتها التقليدية.
إشكالية المصطلح في الفكر العربي: يرى نقاد مثل "أدونيس" و"محمد أركون" أن الحداثة العربية غالباً ما كانت "حداثة استيراد" للأدوات والنتائج دون المرور بالتحولات الفكرية والهيكلية التي أنتجت الحداثة في الغرب، مما أوجد حالة من التمزق بين "الأصالة" و"المعاصرة".
ما بعد الحداثة (Post-modernism): ظهرت كحركة نقدية في النصف الثاني من القرن العشرين، وشككت في "السرديات الكبرى" للحداثة نفسها (مثل التقدم المطلق والعلم اليقيني)، ونادت بالتعددية، والنسبية، والدمج بين الفن الراقي والفن الشعبي.