الحتمية الاقتصادية نظرية لتفسير التاريخ، تُبين أن النظام الاقتصادي لمجتمع يُشكّل مؤسساته الاجتماعية والسياسية والدينية. وقد طور النظرية أولاً الفيلسوف الاشتراكي الألماني كارل ماركس في منتصف القرن التاسع عشر، مع أن المفكرين الآخرين قد طرحوا الفكرة في زمن أسبق منه، فأصبحت واحدة من العناصر الأساسية لفلسفته. رفض ماركس فكرة أن الأفراد أو الدين أو العوامل الأخرى تسبب التغيير السياسي في المجتمع، وحاول بدلاً من ذلك أن يوضح أن التغييرات السياسية لا تنتج إلا عن التغيرات في كيفية إنتاج المجتمع للبضائع والخدمات وتوزيعها. فمثلاً اعتقد أن الأنظمة السياسية للدول الرأسمالية نتجت من نمو المصانع والتطورات الاقتصادية الأخرى. كذلك يُشار بالحتمية الاقتصادية إلى نظرية ماركس حول الصراع الطبقي؛ فهي تعد الصراع الطبقي حتمياً. ويرى ماركس أن النظام الاقتصادي لمجتمع يُكوّن بنيته الطبقية، كذلك تمتلك الطبقة ذات القوة الاقتصادية الأكبر القوة السياسية الأكبر. إذن فالطبقات ذات القوة السياسية القليلة لا تستطيع أن تكتسب القوة إلا بوساطة تغيير النظام الاقتصادي.
توسع ومعلومات إضافية
نموذج البنية التحتية والفوقية (Base and Superstructure)
تعتمد الحتمية ال
البنية التحتية (The Base): تشمل قوى الإنتاج (الأدوات، المواد الخام، التكنولوجيا) وعلاقات الإنتاج (العلاقة بين صاحب العمل والعامل). يرى ماركس أن هذا الجزء هو "المحرك" الحقيقي للمجتمع.
البنية الفوقية (The Superstructure): تشمل الثقافة، الفن،
الدين، القانون، والسياسة. ووفقاً لهذه النظرية، فإن البنية الفوقية لا تنشأ من فراغ، بل هي انعكاس وتثبيت لمصالح الطبقة التي تسيطر على البنية التحتية.
المادية التاريخية (Historical Materialism)
ترتبط الحتمية الاقتصادية بمنهج "المادية التاريخية"، الذي يفسر التحولات الكبرى في التاريخ البشري (من الإقطاع إلى الرأسمالية مثلاً) كاستجابة حتمية للتغير في وسائل الإنتاج. فعندما تتطور التكنولوجيا أو الأدوات الاقتصادية بشكل لا تتسع له علاقات الإنتاج القديمة، يحدث الصدام أو الثورة لتغيير النظام السياسي والقانوني ليتوافق مع الواقع الاقتصادي الجديد.
نقد النظرية واستثناءاتها
الاستقلالية النسبية: يرى نقاد النظرية (مثل أنطونيو غرامشي) أن الثقافة والأيديولوجيا (البنية الفوقية) ليست مجرد تابع سلبي، بل يمكنها التأثير في الاقتصاد وتوجيهه، وهو ما يُعرف بالاستقلالية النسبية للمؤسسات.
الدور الفردي: يجادل البعض بأن النظرية تهمش دور الشخصيات القيادية العظيمة والأفكار الفلسفية المبتكرة، وتختزل الفعل الإنساني في دوافع مادية بحتة.
الحتمية التكنولوجية
فرع من فروع الحتمية الاقتصادية يركز على أن "الآلة" هي من تصيغ المجتمع. فمثلاً، يقال إن "المطحنة اليدوية تعطيك مجتمعاً يقوده الإقطاعي، بينما المطحنة البخارية تعطيك مجتمعاً يقوده الرأسمالي الصناعي".