ماذا يعني العصر الحديد وبماذا يختلف عن العصر البرونزي ؟

 






نبذة تاريخية

العصر الحديدي. تحصَّل إنسان ما قبل التاريخ على الحديد من النيازك، ومن ثَمَّ استخدمه في صناعة العُدَد والأسلحة ومكونات أخرى. وكلمة حديد تعني في العديد من اللغات القديمة فلز من السماء. وهذا متفق مع قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ الحديد: 25. ولقد استخدم حديد النيازك في فترات قديمة جداً يعتقد أنها تصل إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد. ولكن لا توجد أي أدلة مؤكدة تبين بداية استخدام الحديد المستخلص بالصهر والاختزال من الخامات الأرضية، أو تشير إلى المكان الذي بدأ استخلاص الحديد فيه لأول مرة.

ويعتقد أن الحيثيين هم أول من عرف الحديد بكميات ضخمة. وقد عاشوا فيما يعرف الآن باسم تركيا. وفي عام 1400 ق.م. اكتشف الحيثيون كيفية تصنيع الحديد وأساليب تصليد العُدد والأسلحة الحديدية. وحول هذه الفترة نفسها تقريباً طوَّر سكان كل من الصين والهند طرقاً وأساليب لاستخلاص الحديد. وعندما وصل العالم إلى القرن العاشر قبل الميلاد كانت معظم الحضارات القديمة حينذاك قد توصلت إلى تقنيات تصنيع الحديد، وهكذا بدأ العصر الحديدي. انظر: العصر الحديدي.

اتسمت أفران استخلاص الحديد الأولية بالضحالة وعدم العمق. وكانت مجمراتها تشبه الطاسة، وكان يتم تسخين خام الحديد مع الفحم النباتي في مجمرة الفرن. وبعد مرور عدة ساعات على بدء التسخين يفقد خام الحديد أكسجينه إلى الكربون الساخن المحيط به، ويتحول الخام إلى فلز الحديد في صورة لامعة. ولم يكن يُستخدم فلز الحديد الناتج مباشرة، ولكن يعاد تسخينه مراراً وفي كل مرة يتم طرقه للتخلص من بقية الشوائب القصفة والصلدة. وتمكن صنَّاع الحديد نحو عام 1200م من إعادة تسخين وتشكيل وتبريد الحديد المستخلص لإنتاج وتصنيع الحديد المطاوع. وقد كانت خواص الحديد المطاوع الناتج تشبه إلى حد بعيد خواص الفولاذ الكربوني المنتج في العصور الحديثة.

وسرعان ما تعلم صناع الحديد أن نفث الهواء خلال قصبات أو ودنات إلى الفرن، ترفع إلى حد كبير درجة الحرارة، وكان لذلك الاكتشاف أثره الكبير في تحسين نوعية الحديد المنتج. وفيما بعد استخدم صنَّاع الحديد أداة أو جهازاً أطلق عليه الكير يقوم بدفع الهواء خلال القصبات إلى الفرن. وتمكن صناع الحديد نحو عام 700م في منطقة قطالونيا - وهي تقع الآن في شمال شرقي أسبانيا - من التوصل إلى أفضل صورة لمجمرة فرن استخلاص الحديد. وعرف ذلك الفرن عندئذ باسم كور كتلان، وكان الهواء يضغط عند قاعدة الفرن ويدفع إلى الداخل باستخدام الطاقة المائية. وبلغت طاقة إنتاج كور كتلان حوالي 160 كجم من الحديد المليف كل خمس ساعات. وهذا الإنتاج أكبر بكثير من إنتاج الأفران السابقة.

حضر يعقوب بن إسحاق الكندي (ت 260هـ، 873م) أنواعاً من الحديد الفولاذ بأسلوب المزج والصهر، فقد مزج كمية من الحديد المطاوع، وكان يسمى الزماهن، وكمية أخرى من الحديد الصلب (الشبرقان) وصهرهما معاً ثم سخنهما إلى درجة حرارة معلومة بحيث نتج عن ذلك حديد يحتوي على نسبة من الكربون تتراوح بين 0.5 و 1.5%. وعندما تحدث ابن سينا (ت 428هـ، 1037م) عن النيازك قسمها إلى نوعين حجري، و حديدي وهو نفس التقسيم المتبع في الوقت الراهن.

انظر: العلوم عند العرب والمسلمين (الكيمياء: رواد الكيمياء وأهم مؤلفاتهم).

أما في أوروبا لم تتطور طرق وأساليب تشكيل الحديد المنصهر في صورة منتجات استهلاكية مناسبة بصورة مرضية حتى حلول عام 1500م. وفي بداية القرن الثامن عشر الميلادي بدأ صناع الحديد البريطانيون في استخدام الكوك بدلاً من الفحم النباتي في الأفران العالية نظراً لنقص الأخشاب، وهي المصدر الأساسي للفحم النباتي.

يُعد أبراهام داربي أول من تمكن من تكويك الفحم الحجري وإنتاج الكوك، ومن ثَمَّ استخدم الكوك في إنتاج الحديد عام 1709م في بلدة كولبروكديل في مقاطعة شروبشاير في إنجلترا. وفي أواخر القرن الثامن عشر تمكن كل من ابن أبراهام داربي وحفيده من تحسين أسلوب التكويك الذي بدأه رب الأسرة. وقد أدت أعمال هذه العائلة إلى قيام الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا بإنتاج الحديد الزهر ومن ثم استخدامه في المباني والآلات. وقد نقل المهاجرون الأوروبيون هذه الصناعات ونشروها بعد ذلك في أرجاء العالم.

أول إنتاج من الفولاذ. أنتجت أول كمية من الفولاذ في العصر الحديدي، ولو أن الكمية المنتجة كانت صغيرة. وعلى سبيل المثال فقد صنع مواطنو منطقة هيا التي تقع في شرق السودان الفولاذ في أفران أسطوانية خاصة. كما صنعت في الهند نحو عام 300 قبل الميلاد كتل ضخمة من الحديد الإسفنجي التي أعيد تشكيلها ثم تسخينها لإنتاج مايسمى بفولاذ ووتز. ومع بداية القرن الخامس الميلادي تمكن الصينيون أيضاً من إنتاج الفولاذ.

وفي العصور الوسطى أنتج الأوروبيون كميات صغيرة من الفولاذ، لكن الكميات كانت شحيحة بدرجة كبيرة إضافة إلى ارتفاع التكلفة. وفي عام 1740م تمكن صانع ساعات بريطاني يدعى بنجامين هونتسمان من اختراع أسلوب البوتقة لصناعة الفولاذ، وهي تشبه إلى حد بعيد الأسلوب الذي كان متبعاً في إنتاج فولاذ ووتز. وقام هونتسمان بإعادة صهر وتنقية قضبان من الحديد المطاوع عالية النوعية في بواتق (مراجل صهر). وكانت طريقة هونتسمان لإنتاج الفولاذ بطيئة، وتتطلب قدراً كبيراً من العمل الشاق، إضافة إلى أن أضخم البواتق لا يمكنها إنتاج أكثر من 45 كجم من الفولاذ في المرة الواحدة.

التحكم في تلوث الهواء. يعد التحكم في تلوث الهواء من الأنشطة المهمة في وحدات تصنيع الفولاذ الحديثة. وحمولة الأتربة التي تحملها العربة الموضحة في الصورة أعلاه تمت إزالتها من المخلفات الغازية المنطلقة أثناء إنتاج الفولاذ.

ميلاد صناعة الفولاذ الحديثة. لم تطبق أولى الطرق الحديثة لإنتاج الفولاذ بكميات كبيرة وبتكلفة مقبولة إلا في منتصف القرن التاسع عشر. وعرفت هذه الطريقة باسم طريقة بسمر، وذلك على اسم مخترعها ومطورها هنري بسمر، وهو صانع فولاذ بريطاني. ولقد تمكن صانع حديد أمريكي اسمه وليم كيلي، في الفترة نفسها تقريباً، من تطوير أسلوب مماثل لأسلوب بسمر في إنتاج الفولاذ دون علم بنتائج أبحاث بسمر. وعلى الرغم من نجاح كل من بسمر وكيلي في إنتاج الفولاذ، إلا أن جهودهما لم يكن ليكللها النجاح دون الاستفادة من اختراع روبرت موشيه الذي توصل إليه في عام 1857م. وموشيه عالم فلزات بريطاني، وجد أن إضافة سبيكة الحديد - الكربون - المنجنيز المعروفة باسم تماسيح الحديد المنجنيزي، أثناء عملية تنقية الحديد تساعد على إزالة الأكسجين وضبط مستوى الكربون في الفولاذ المنتج.

قامت طريقة بسمر لتصنيع الفولاذ على صب حديد التمساح المنصهر الناتج من الفرن العالي في وعاء كمثري الشكل يعرف باسم المحول، ثم حقن الهواء في الحديد المنصهر من خلال قصبات مثبتة في قاع المحول. وبمجرد تلامس الهواء المدفوع في المحول مع الحديد المنصهر، فإن أكسجين الهواء يتفاعل بسرعة مع شوائب الحديد. وتؤدي تفاعلات الأكسجين مع الشوائب، بالإضافة إلى مفعول تماسيح الحديد المنجنيزي إلى تحويل حديد التمساح إلى فولاذ.

وقد تم تسجيل براءة اختراع تصنيع الفولاذ بأسلوب بسمر باسم مخترعها في بريطانيا عام 1860م. وفي عام 1870م بدأ إنتاج الفولاذ فعلياً بهذه الطريقة في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ظهرت طريقة فرن المجمرة المكشوفة لإنتاج وتصنيع الفولاذ بعد انتشار طريقة بسمر مباشرة. ففي عام 1856م تمكن اثنان من العلماء، ألمانيا المولد ولكنهما نشأ وعاشا في بريطانيا، هما الأخوان وليم وفريدريك سيمنز، من اختراع فرن إعادة توليد الغاز. ويستخدم هذا الفرن المخلفات الغازية لتسخين كل من الوقود والهواء قبل دخولهما إلى الفرن. وفي عام 1864م تمكن أخوان فرنسيان هما بيير وأميل مارتن، من تصنيع وإنتاج الفولاذ في فرن بناه مهندسو شركة سيمنز، ولهذا يطلق على أسلوب إنتاج الفولاذ بهذه الكيفية طريقة سيمنز - مارتن لتصنيع الفولاذ، وهي الطريقة التي عرفت بعد ذلك باسم فرن المجمرة المكشوفة. وقد تميزت طريقة المجمرة المكشوفة لإنتاج الفولاذ عن طريقة بسمر لإنتاج الفولاذ، بعدد من السمات أهمها إمكانية استخدامها لإنتاج الفولاذ من الخردة، بالإضافة إلى إمكانية التحكم بدرجة كبيرة في التركيب الكيميائي للفولاذ الناتج. ونتيجة لمميزات طريقة فرن المجمرة المكشوفة لإنتاج الفولاذ، فقد بدأ عدد وحدات محولات بسمر في التناقص منذ عام 1910م وأصبحت محدودة العدد، وإن ظلت الوحدات التي أنشئت قديماً في الإنتاج حتى الستينيات من القرن العشرين.

وفي عام 1878م أثبت وليم سيمنز إمكانية إنتاج الفولاذ في فرن القوس الكهربائي. ونظراً لأن كمية الكهرباء المتوفرة في ذلك الوقت كانت محدودة كما أنها كانت باهظة التكلفة، فلم يتم استخدام هذا الأسلوب لتصنيع الفولاذ بكميات تجارية في ذلك الوقت. وفي عام 1899م أنشأ بول هيرولت في فرنسا أول وحدة لإنتاج الفولاذ فعلياً بصورة تجارية من أفران القوس الكهربائي.

نمو صناعة الفولاذ. بعد ظهور طريقتي بسمر وفرن المجمرة المكشوفة لتصنيع وإنتاج الفولاذ، توسعت صناعة الفولاذ ونمت بسرعة كبيرة. ولأن بريطانيا كانت تمتلك ترسبات غنية من خام الحديد، فقد كانت أكبر دول العالم في صناعة الحديد والفولاذ، في منتصف القرن التاسع عشر، كما أنها كانت أكثر دول العالم في التقدم التقني في هذا المجال.

ومع بداية الثمانينيات من القرن التاسع عشر وحتى الآن، بدأت بعض الدول الأخرى في الظهور في مجال بناء صناعة الفولاذ، حيث اكتشف الجيولوجيون في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ترسبات غنية من خامات الحديد في منطقة البحيرات العظمى في الولايات المتحدة الأمريكية. وأدى ذلك الاكتشاف إلى تطور ضخم في صناعة الفولاذ في الولايات المتحدة. وقد أنشأ أندرو كارنيجي في عام 1873م أول مصنع ضخم لإنتاج الفولاذ في الولايات المتحدة الأمريكية، كما بدأت كل من فرنسا وألمانيا وروسيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى في بناء مصانع كبيرة لإنتاج الفولاذ. وبحلول بدايات القرن العشرين كانت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا تتصدران دول العالم المنتجة للفولاذ، وكان إنتاج كل دولة منهما أكثر من إنتاج بريطانيا.

وبحلول عام 1901م ظهرت دول أخرى منتجة للفولاذ في كل من آسيا والأمريكتين كما بدأت أستراليا عام 1915م في إنتاج الفولاذ.

استخدم معظم الفولاذ المنتج في نهاية القرن التاسع عشر في صناعة قضبان السكك الحديدية. وفي بداية القرن العشرين زاد إنتاج الفولاذ كثيراً لمقابلة الزيادة في الطلب عليه ونجاحه في صناعة السيارات التي نمت بسرعة كبيرة بالإضافة إلى حاجة الكثير من المنتجات الأخرى إلى الفولاذ. وصاحب زيادة إنتاج الفولاذ تطوير طرق حديثة لإنتاجه روعي فيها زيادة الإنتاجية. كما شمل التطور أيضاً التوصل إلى طرق جديدة لعمليات الدلفنة وتشكيل الفولاذ إضافة إلى استنباط العديد من سبائك الفولاذ الجديدة ذات الخواص المتفوقة.

وأثناء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م)، دُمِّرت معظم مصانع الفولاذ في العالم فيما عدا مصانع الولايات المتحدة الأمريكية. ونتيجة لذلك احتكرت شركات الفولاذ الأمريكية إنتاج الفولاذ وأسواقه في العالم كله لفترة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من ذلك فقد أعادت اليابان وأيضاً الكثير من الدول الأوروبية بناء مصانعها لإنتاج الفولاذ في الخمسينيات من القرن العشرين. وتميزت وحدات الفولاذ حديثة الإنشاء باستخدام أحدث التقنيات لإنتاج الفولاذ بما فيها أسلوب الأكسجين القاعدي واستخدام طريقة صبات الجديلة. ونتيجة تحديث مصانع الفولاذ التي أنشئت حديثاً تفوقت المصانع اليابانية ومصانع دول وسط أوروبا في نوعية وكمية الإنتاج على مصانع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا اللتين استمرتا في استخدام الأساليب القديمة والمعدات متدنية الكفاءة.

وتقلصت صناعة الفولاذ في بريطانيا بصورة كبيرة على الرغم من أنها كانت الدولة المطورة لأساليب إنتاج الفولاذ والمصنعة له بكميات كبيرة قبل أي دولة أخرى في العالم. وتتحكم الحكومة البريطانية في هيئة الفولاذ البريطانية، والأخيرة هي المالك الأساسي لصناعة الفولاذ في بريطانيا. وقد أغلقت الهيئة في بداية الثمانينيات من القرن العشرين عدداً كبيراً من المصانع الضخمة لإنتاج الفولاذ. وفي الفترة نفسها تقريباً، فقدت بريطانيا أيضاً أفضل ترسبات خامات الحديد بعد استنزافها. وعلى الرغم من المصاعب التي تواجه صناعة الفولاذ في بريطانيا، إلا أن هيئة الفولاذ البريطانية بدأت في فترة الثمانينيات من القرن العشرين تحديث أساليب واستخدام أفضل التقنيات لإنتاج الفولاذ تمهيداً لنقل ملكية صناعة الفولاذ إلى القطاع الخاص تحت اسم الفولاذ البريطاني. وعلى الرغم من كل هذه المصاعب إلا أن الفولاذ لا يزال يؤدي دوراً بالغ الأهمية ويمثل جزءاً مهماً من حجم التجارة البريطانية.

التطورات الحديثة في صناعة الفولاذ. انخفض معدل إنتاج الفولاذ في الدول المتقدمة بشدة في السبعينيات من القرن العشرين نتيجة الكساد الاقتصادي العالمي في هذه الفترة. ورغم المصاعب التي واجهت إنتاج الفولاذ في الدول المتقدمة، إلا أن الإنتاج العالمي من الفولاذ استمر في الزيادة، ويرجع ذلك أساساً إلى توسع الدول النامية في إقامة مصانع الفولاذ والتوسع في إنتاجه في كل من أمريكا الجنوبية وآسيا.

وقبل منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، كانت جميع الدول النامية في العالم تستورد جميع حاجاتها من الفولاذ من الولايات المتحدة الأمريكية ومن بعض الدول الصناعية الكبرى الأخرى. ولكن مع بداية خمسينيات القرن العشرين أنشأت كثير من الدول النامية مصانعها الخاصة لإنتاج ما تحتاجه من الفولاذ. ولقد أثر نمو صناعة الفولاذ بلا شك، على الدول النامية تأثيراً كبيراً، وبخاصة الدول التي تمتلك احتياطياً كبيراً من الغاز الطبيعي وخامات الحديد، ومن أمثلة ذلك المكسيك وفنزويلا ومصر. فقد أقامت الدول التي تمتلك احتياطياً كبيراً من الغاز الطبيعي وخامات الحديد الغنية مصانع لإنتاج الحديد بطرق الاختزال المباشر، ومن ثَمَّ أنتجت الفولاذ من ذلك الحديد باستخدام أفران القوس الكهربائي. وحتى الدول الفقيرة التي لا تمتلك خامات حديد، ساهمت حكوماتها في إنشاء مصانع حديثة لإنتاج الفولاذ.

وتميزت مصانع الفولاذ التي أنشئت في الثمانينيات من القرن العشرين بالآلية التامة كما أنها مجهزة بمعدات ذات إنتاجية عالية تتحكم في تشغيلها مختلف أنواع الحواسيب الآلية. وقد جاء تطوير المعدات الحديثة المتقدمة المستخدمة في مصانع الفولاذ نتيجة للتزاوج بين كفاءة علماء الفلزات والمهندسين والمتخصصين في الأجهزة، ومبرمجي الحاسوب. كما عمل الباحثون في صناعة الفولاذ على تطوير طرق جديدة واستنباط أساليب حديثة لتحويل الفحم الحجري إلى كوك. ويأمل الباحثون أيضاً أن تثمر جهودهم للتوصل إلى أساليب جديدة للاختزال المباشر وتطوير طرق تؤدي إلى استخدام الفحم الحجري في إنتاج غاز الاختزال حتى يصبح الفحم بديلاً عن الغاز الطبيعي. وبالإضافة إلى هذه الجهود مازال العلماء والمهندسون مستمرين في جهودهم وأبحاثهم لتطوير طرق أفضل لصناعة الفولاذ واستنباط سبائك جديدة من الفولاذ.

أجهزة التحكم بالحاسوب. تقوم هذه الأجهزة بكثير من العمليات في وحدات تصنيع الفولاذ. في الصورة عاملان يلاحظان الحاسوب الذي يتحكم في فرن عال ضخم.

 


توسع معرفي: التطور الكيميائي والميكانيكي لصناعة الصلب

  • فولاذ ووتز (Wootz Steel) والفولاذ الدمشقي: يمثل فولاذ "ووتز" الذي طُور في الهند أحد أقدم أشكال الصلب المسبوك ذي الجودة العالية. اعتمدت تقنيته على خلط الحديد المطاوع مع مواد غنية بالكربون (مثل أوراق الشجر والأخشاب) داخل بواتق طينية محكمة الإغلاق. عند التسخين لدرجات حرارة عالية، يمتص الحديد الكربون ليتحول إلى صلب نقي نسبياً. كانت هذه الكتل الإسفنجية تُصدر لاحقاً إلى الشرق الأوسط حيث تُطرق وتُشكل بمهارة عالية لإنتاج السيوف الدمشقية الشهيرة، والتي تميزت بأنماطها المتموجة (الجوهر) وصلابتها الفائقة ومرونتها الميكانيكية التي تفوقت على أي منتج أوروبي في العصور الوسطى.

  • الانتقال من الفحم النباتي إلى فحم الكوك (Coke): شكّلت عملية التحويل هذه نقطة ارتكاز للثورة الصناعية. الفحم النباتي هش هيكلياً ولا يتحمل الأوزان الثقيلة في الأفران العالية، مما حدّ من حجم الأفران وكمية الإنتاج. فحم الكوك (وهو فحم حجري منزوع الشوائب المتطايرة بالتقطير الإتلافي) يتميز بمسامية عالية وهيكل كربوني صلب قادر على تحمل ضغط الطبقات الثقيلة من خام الحديد، مما سمح ببناء أفران صهر عملاقة ومضاعفة الإنتاج الحراري الكيميائي بتكلفة أقل.

  • ديناميكية طريقة بسمر (Bessemer Process): عبقرية هنري بسمر تكمن في استغلال تفاعل طارد للحرارة (Exothermic Reaction). بدلاً من استخدام وقود خارجي لحرق الشوائب، قام بضخ الهواء المضغوط مباشرة عبر الحديد المنصهر. الأكسجين الموجود في الهواء يتفاعل كيميائياً مع الشوائب (مثل الكربون والسيليكون)، وتولد هذه الأكسدة حرارة ذاتية كافية لإبقاء المعدن في حالة الانصهار دون الحاجة لنار إضافية. هذه العملية قلصت زمن الإنتاج من عدة أيام إلى حوالي 20 دقيقة للوجبة الواحدة، مما هوى بأسعار الصلب وجعله المادة الأساسية لمد السكك الحديدية وبناء ناطحات السحاب.

  • تطور صناعة الصلب الحديثة (BOS و EAF): تعتمد المصانع المعاصرة في الغالب على تقنيتين؛ الأولى هي "فرن الأكسجين القاعدي" (Basic Oxygen Steelmaking) التي تعد تطويراً لطريقة بسمر، حيث يُضخ أكسجين نقي بدلاً من الهواء الجوي (لتجنب امتصاص النيتروجين الذي يسبب هشاشة المعدن). التقنية الثانية هي "أفران القوس الكهربائي" (Electric Arc Furnaces) والتي تعتمد على تمرير تيارات كهربائية هائلة لصهر خردة الصلب وإعادة تدويرها بنسبة 100%، وهي التقنية الأكثر ملاءمة بيئياً لغياب الحاجة لحرق الوقود الأحفوري المباشر فيها.

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...