ماذا يعني حرب العصابات ؟

 


  نبذة تاريخية. يرجع تاريخ استخدام حرب العصابات ضد جيوش الأعداء، إلى أزمان غابرة. وهناك شواهد تدل على استخدام القبائل الأسكتلندية لأساليب حرب العصابات في هجومها على الجيوش الرومانية، التي احتلت بريطانيا خلال القرن الثاني الميلادي. كما قامت عصابات من الفلاحين المدججين بالسلاح أثناء حرب الثلاثين عاماً (١٦١٨ - ١٦٤٨م)، في بعض الدول الأوروبية، بالهجوم على الجنود الذين كانوا يتجولون خارج معسكراتهم. وقد استخدم الهنود الأمريكيون أساليب حرب العصابات ضد أعدائهم من القبائل الأخرى، وأخيراً ضد المستوطنين البيض. لم تواجه أوروبا أثناء الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨م)، في ساحات القتال أية حروب عصابات. ويعزى السبب إلى استخدام الجيوش في القتال لخنادق ترتكز على جبهات ثابتة. أما في الشرق الأوسط، فقد استخدم العرب أساليب حرب العصابات، عندما ثاروا على الإمبراطورية العثمانية لنيل استقلالهم. أدت الحرب العالمية الثانية، (١٩٣٩ - ١٩٤٥م) إلى قيام رجال المقاومة في عدد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا ويوغوسلافيا، بشن حرب عصابات على الغزاة من النازيين الألمان. كما تصاعدت حرب العصابات في بورما والفلبين ضد القوات اليابانية الغازية. شن الفدائيون في أعقاب الحرب العالمية الثانية حرب عصابات ضد حكوماتهم في مختلف أصقاع العالم. كما قاد بعضهم الحرب ضد الحكومات الاستعمارية الأوروبية. ففي الصين قاد ماوتسي تونج الشيوعيين إلى النصر ضد الحكومة الوطنية في عام ١٩٤٩م، بعد كفاح دام اثنين وعشرين عاماً، وحقق الشيوعيون انتصاراً ساحقاً على فرنسا في الهند الصينية، بعد حرب عصابات استغرقت ثمانية أعوام. وأجبرت هجمات الفدائيين المصريين خلال الفترة ١٩٥٠ - ١٩٥٢م الجيش الإنجليزي على الرحيل عن مصر وتوقيع اتفاقية الجلاء عام ١٩٥٤م. كما ألحقت حرب العصابات الهزيمة بالجيوش الفرنسية في الجزائر عام ١٩٦٢م، والتي تمخض عنها تحرير الجزائر ونيلها للاستقلال. قام الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، في نصف الكرة الغربي بمحاولته الأولى للإطاحة بالحكومة في كوبا عام ١٩٥٣م. وتصدت قوات الحكومة لمجموعة الثوار الصغيرة التابعة لكاسترو، وكادت تقضي عليها. أدى استخدام الزعيم الكوبي البارع لأساليب حرب العصابات، ومقدرته الفائقة في استقطاب، وتجنيد عدد من السكان، إلى إلحاق الهزيمة بجيوش الحكومة عام ١٩٥٩م، ومن ثم أصبح حاكماً مطلقاً على كوبا. وبعد مرور عدة سنين على قيام الثورة الكوبية غادر تشي جيفارا، أحد كبار مساعدي كاسترو، كوبا متوجهاً إلى أمريكا الجنوبية لقيادة الحركة الثورية. ولقي جيفارا مصرعه في عام ١٩٦٧م، عندما اصطدم بجيوش الحكومة البوليفية. انظر: جيفارا، تشي. ورغم النجاح الذي حققته حرب العصابات في كوبا، فقد فشل هذا النمط من الحروب في عدة أصقاع من العالم. فقد ألحقت الحكومة الفلبينية الهزيمة بثورة الشيوعيين الهك، التي اندلعت في أعقاب انحسار الاحتلال الياباني للفلبين في عام ١٩٤٥م. واستخدمت الحكومة عدة وسائل لمواجهة الثورة، حيث شرعت في الإصلاح الزراعي، وتوزيع الأراضي. كما كافأت مجموعات الثوار الهاكبالاهاب، الذين سلموا أسلحتهم للحكومة. وأخيراً شنت الحكومة هجوماً شاملاً على معاقل رجال العصابات وألحقت بهم الهزيمة الساحقة في عام ١٩٥٤م. أما في الملايو، المستعمرة البريطانية، فقد تمكنت الحكومة من شن حملة ناجحة على الثوار الشيوعيين، الذين كانوا يطمحون للإطاحة بالحكومة، وتم إلحاق الهزيمة بهم في عام ١٩٤٨م. شرعت الحكومة البريطانية بعد ذلك في القيام بعدة إصلاحات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية. وعندما نالت الملايو استقلالها عام ١٩٥٧م انتهى كل أثر لحرب العصابات. انتشرت حروب العصابات ضد الحكومات في عدة أصقاع من العالم في عقد الستينيات من القرن العشرين. فقد قام الجيش الجمهوري الأيرلندي بشن حرب العصابات على الجيش البريطاني، ومنشآته في أيرلندا الشمالية. كما شن الفدائيون الفلسطينيون هجمات متكررة على إسرائيل منطلقين من مصر وسوريا والأردن. وصعد الشيوعيون الفلبينيون من هجماتهم على الجيوش الحكومية. أما في جنوب شرقي آسيا، فلقد استخدم المقاتلون الفيت كونج أساليب حرب العصابات في الحرب الفيتنامية. شهد عقدي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ظاهرة انتشار حرب العصابات داخل المدن، حيث شنت أنماط مختلفة من حروب العصابات في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية، واستخدمت عدة أساليب إرهابية كتفجير المباني العامة، والقيام بعمليات الاختطاف، والاغتيالات، لكنها أخفقت في الاستيلاء على السلطة. تمكن الفدائيون الذين يطلق عليهم الساندينيستا، من الإطاحة برئيس جمهورية نيكاراجوا في عام ١٩٧٩م، وتشكيل حكومة جديدة. أما في روديسيا، التي تعرف الآن بزيمبابوي، فقد شن رجال حرب العصابات الأفارقة حملاتهم ضد حكومة الأقلية البيضاء في سبعينيات القرن العشرين. وقد تمكن الأفارقة من نيل الاستقلال، والسيطرة على مقاليد الحكم في زيمبابوي. في عام ١٩٧٩م استخدم المجاهدون الأفغان أيضاً أساليب حرب العصابات في أعقاب الغزو السوفيتي لبلادهم في أواخر ١٩٧٩م. وفي عامي ١٩٨٨ و١٩٨٩م، انسحب السوفيت من أفغانستان وتمكن المجاهدون من دحر الحكومة عام ١٩٩٢م.


توسيع معلوماتي حول حرب العصابات:

  • أصل التسمية: كلمة "عصابة" لغوياً تشير إلى الجماعة، أما المصطلح العالمي "Guerrilla" فهو إسباني الأصل ويعني "الحرب الصغيرة". نشأ هذا المصطلح تاريخياً أثناء غزو نابليون بونابرت لإسبانيا (1808-1814)، حيث واجهت جيوشه النظامية مقاومة شرسة من مجموعات شعبية غير نظامية أرهقت قواته بأسلوب الكر والفر.

  • القواعد النظرية: تعتبر كتابات "ماو تسي تونغ" (في الحرب المطولة) و"تشي جيفارا" (حرب العصابات) من المراجع الأساسية لهذا الفكر العسكري. ترتكز الإستراتيجية على تحويل الضعف العسكري إلى قوة من خلال الاعتماد على الحاضنة الشعبية، والمعرفة العميقة بالتضاريس، وعنصر المفاجأة، مع تجنب المواجهات المباشرة والجبهوية مع الجيوش المتفوقة تقنياً وعدداً.

  • الفرق بين العصابات الريفية والمدنية: * الريفية: تعتمد على الغابات والجبال كملاذات آمنة (مثل ثوار فيتنام "الفيت كونغ" وثوار كوبا).

    • المدنية: نشأت في الستينيات والسبعينيات (مثل حركة "التوباماروس" في الأوروغواي و"الألوية الحمراء" في إيطاليا)، وتركز على العمليات الخاطفة داخل الحواضر لإحراج الأنظمة سياسياً وأمنياً.

  • مراحل الحرب: تمر حرب العصابات الناجحة عادة بثلاث مراحل: 1. مرحلة الاستنزاف والدفاع (البقاء والانتشار)، 2. مرحلة التوازن (تساوي القدرة على إلحاق الضرر)، 3. مرحلة الهجوم الشامل (التحول إلى جيش شبه نظامي لحسم السلطة).

  • مقاومة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان: تُعد تجربة "المجاهدين العرب والأفغان" من أبرز أمثلة حروب العصابات التي نجحت في هزيمة قوة عظمى (الاتحاد السوفيتي). ساهمت وعورة التضاريس الجبلية في أفغانستان، بالإضافة إلى الدعم الخارجي والروح القتالية العالية، في تحويل البلاد إلى "مقبرة للإمبراطوريات".

  • التكنولوجيا الحديثة وحرب العصابات: في العصر الحالي، تطورت أساليب حرب العصابات لتشمل "الحروب الهجينة" واستخدام الطائرات المسيرة الرخيصة والعبوات الناسفة المتطورة، مما قلل من فجوة القوة بين المجموعات غير النظامية والجيوش الحديثة.

تعليقات
جاري استحضار البيانات الموسوعية...