لغة الضاد أم لغة النون؟:
درج على ألسنة الناس منذ قرون الإشارة إلى اللغة العربية على أنها لغة الضاد؛ تمييزاً لها عن غيرها من اللغات التي يُعتقد أنها كافة لا تحوي هذا الصوت. فمعيار إطلاق اللقب الذي يميزها عن غيرها إذاً هو انفرادها بتأدية صوت معين لا تؤديه سائر اللغات، هو الضاد. غير أن اللافت أن حرف الضاد هذا يكتنفه عدد من الأمور التي تقلل من أهمية التعويل عليه مميزاً ناصعاً للعربية، وتحد من قيمة إيراد لقب (لغة الضاد) في سياق الاعتزاز والفخر بالعربية، أو في ضمن الكلام على خصوصيتها. من هذه الأمور أن حرف الضاد من أقل الحروف وأندرها دوراناً في اللفظ العربي. وهو أيضاً من أثقلها على اللسان، إن لم يكن أثقلها بإطلاق. وهو فوق هذا وذاك من الأصوات التي لم يستطع المتكلمون بالعربية من أهلها المحافظة على نطقه على الهيئة التي وصفه بها علماء العربية الأوائل، بل اختلط أداؤه بأداء صوت آخر هو الظاء، كما سيأتي. وحرف الضاد كذلك ليس من الحروف الفاعلة صوتياً ووظيفياً ودلالياً في المفردات والمركبات، فلا ينفرد عن غيره من الحروف بتأدية وظائف لغوية أخرى غير دخوله في بنية الكلمات.
ولو عدنا إلى البحث في الجذور الأولى للاعتداد بحرف الضاد فارقاً ومميزاً للعربية، لوجدنا بعض الدارسين قد عُني بتتبع أوائل النصوص المأثورة التي تصف العربية بلغة الضاد. فيرجح غير واحد منهم أن من أقدم النصوص التراثية المشتملة على هذا الوصف هو قول المتنبي:
وبهم فخر كل من نطق الضـ (م) ـاد وعوذ الجاني وغوث الطريد
وقد عاش في القرن الرابع الهجري. أما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» فلم تذكره كتب الحديث المعتبرة، ولذا قيل: إنه لا أصل له ولا يصح، مع أنه مشهور متداول على ألسنة الناس، متناقل في كتب اللغة بكثرة منذ عدة قرون.
ويذهب الدكتور حسن ظاظا إلى إنكار أن تكون الضاد من أخص خصائص العربية الفصيحة أصلاً، إذ يرى أن مفخرة العربية ليست في الانفراد بها من دون اللغات، بل في حفاظها عليها بعد أن انقرضت في لغة الأسلاف؛ لأنه يرى هو وغيره من العلماء أن الضاد كانت موجودة في اللغة السامية الأم.
إن في النطق بالضاد على النحو الذي وصفه القدماء صعوبة وعسراً؛ ليس في عصرنا هذا وحسب، بل يتبين منذ القدم - من كلام علماء القراءات والتجويد - أن الضاد صعبة النطق على ألسنة الناس، وأن عدم مراعاة نطقها بدقة - نتيجة لصعوبتها - قد يحيلها إلى صوت آخر، بل أصوات أخرى، تنطق في بيئات مختلفة، وهي الظاء، أو اللام، أو ما يقرب من الطاء "الدال المفخمة"، أو صوت ممزوج بالذال، أو صوت أُشِمَّ الزاي. ويذكر بعض أئمة القراءات أنه قلَّ من يُحْكِمُ نطق الضاد من الناس. وتحدثنا المصادر عن تحريف كثير من المتكلمين الضاد بنطقها ظاءً، لعل من أقدم النصوص التي تبين اختلاط الصوتین رواية أبي بكر بن الأنباري المتوفى سنة 328هـ أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا أمير المؤمنين، يُضحَّى بالضبي؟". وقد ألف عدد من علمائنا الأوائل كتباً وفصولاً من كتب في الفصل بين الضاد والظاء؛ لأنها تختلط على الناس. أما عالم القراءات ابن الجزري المتوفى سنة 833هـ فيؤكد ما يفيد أن هذا الحرف العسير قد اختفى مع الفصحاء الذين ينطقونه بالطبع سليقة، يقول: «واعلم أن هذا الحرف خاصة إذا لم يقدر الشخص على إخراجه من مخرجه بطبعه لا يقدر عليه بكلفة ولا تعليم».
والضاد - لثقلها - من أقل الأصوات دوراناً في الألفاظ العربية (فاءً وعيناً ولاماً)؛ يتضح ذلك من خلال تتبع مواد المعجم العربي، ومن خلال نتائج الدراسات الحديثة التي اختبرت شيوع الأصوات اللغوية، من حيث عدد تكرارات الصوت في عينات لغوية فصيحة أُجريت عليها اختبارات قياس الشيوع. منها على سبيل المثال ما أجراه الدكتور محمد علي الخولي، واتضح منه أن الضاد والظاء كانت في ذيل ترتيب تكرارات الحروف. وهي أيضاً ليست من الحروف التي تدخل في اللواصق التي تلحق بالكلمات من أولها أو حشوها أو آخرها. ولا تكون بدلاً ولا زائدة. ومن صفاتها الجهر والتفخيم والإطباق والاستعلاء والرخاوة والاستطالة، وأضاف بعضهم إلى ذلك التفشي كالشين. ومخرج الضاد الفصيحة من بين أول حافة اللسان من جهة أقصى الحنك وما يليه من الأضراس. يقول ظاظا: «ولكن على عهد سيبويه نفسه يبدو أن الضاد كانت مشكلة في نطقها؛ فقد ذكر إلى جانب الضاد الفصيحة صوتاً يسميه "الضاد الضعيفة"». ثم ينقل عن سيبويه قوله في وصف الضعيفة: «تُتَكَلَّفُ من الجانب الأيمن. وإن شئت تكلَّفتها من الجانب الأيسر، وهو أخف؛ لأنها من حافة اللسان مطبقة، لأنك جمعت في الضاد تكلُّف الإطباق مع إزالته عن موضعه. وإنما جاز هذا فيها لأنك تحولها من اليسار إلى الموضع الذي في اليمين، وهي أخف؛ لأنها من حافة اللسان، وأنها تخالط مخرج غيرها بعد خروجها، فتستطيل حين تخالط حروف اللسان. فسهل تحويلها إلى الأيسر؛ لأنها تصير في حافة اللسان في الأيسر إلى مثل ما كانت في الأيمن». ويخلص الباحث بعد هذا إلى أنه ما تزال في الضاد متاهات لم يقل فيها العلم كلمته الأخيرة.
ومهما يكن من أمر الضاد، فليس المقصود هنا إبعاد الضاد عن أهليتها في أن تكون لقباً للعربية، ليحل محلها غيرها. ولا المقصود من الزعم بأن العربية لغة النون أن العربية تنفرد بأداء النون من دون اللغات الأخرى، كما بدا في سبب تسمية العربية بلغة الضاد. بل الهدف الرئيس من تقديم هذه الدراسة عن النون
معلومات علمية ومشوقة حول حرف "الضاد":
الضاد القديمة مقابل الضاد المعاصرة: الضاد التي ننطقها اليوم (في التلاوة أو الفصحى المعاصرة) هي من الناحية الصوتية "دال مفخمة وقفيّة"، تخرج من طرف اللسان. بينما الضاد التراثية الفصيحة التي وصفها سيبويه والخليل بن أحمد هي "صوت رخو جانبي"، يُنطق بوضع حافة اللسان على الأضراس العليا. وهذا التغير الصوتي حدث تدريجياً عبر القرون لصعوبة المخرج الأصلي.
هل الضاد حكر على العربية؟: أثبت علماء اللسانيات الحديثة أن بعض اللغات السامية الجنوبية الحديثة (مثل المهرية والسقطرية في جنوب شبه الجزيرة العربية) لا تزال تحتفظ بأصوات جانبية رخوة قريبة جداً من وصف الضاد العربية القديمة. كما أن اللغة الويلزية (Welsh) تمتلك صوتاً جانبياً مشابهاً (يُكتب ll)، وإن كان مهموساً وليس مجهوراً كالضاد.
عناء القدماء في التمييز: لفرط اختلاط الضاد بالظاء على ألسنة العرب مع مرور الزمن، لجأ العلماء إلى حصر الكلمات التي تُكتب بالظاء في منظومات شعرية ومقامات لتسهيل حفظها، ومن أشهرها المقامة الحلبية للحريري التي سرد فيها كل الكلمات التي تحتوي على حرف الظاء ليُعلم أن ما دونها يُكتب بالضاد.