وهو طابع هذام في نظرهم اذ يعرض الأسرة القومية للخطر .
والمذهب النازي ، الذي لا يعدو كونه جملة من الشعارات الرنانة ، لا يتميز بالابتكار ، ولم يأت بجديد ملموس . فهو يقوم على جملة من الأفكار والمبادىء ، جمعت من هنا وهناك ؛ ففكرة تشييد الرايخ الالماني الكبير ، على سبيل المثال ، اخذت عن دعاة وحدة الشعوب الجرمانية Pangermanistes ؛ وفكرة تفوق العرق الجرماني اخذت عن المفكر الفرنسي غوبينو وعن الانكليزي س تشمبرلين وإن عززت بمفهوم « الانسان المتفوق » الذي عرضه نيتشه في كتابه « هكذا تكلم زرادشت » . اما النزعة اللاسامية ، فقد كانت سائدة اساسا في اوساط عدة في المانيا والنمسا وذلك منذ مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى . وفيما يتعلق بتمجيد النازية للحرب والعنف وبعبادتها للقوة ، فهي لم تفعل سوى تقديم ترجمة عملية ومبسطة لبعض ما ورد من آراء وأفكار لدى آرنت وهيغل وبعض منظري اركان الجيش البروسي .
وقد كان بسمارك ، في مطلق الاحوال ، قد سبق هتلر على طريق اعتماد مبدأ اشتراكية الدولة بهدف محاربة الماركسية وقطع الطريق عليها . اما مفهوم الدولة المستبدة ، بل التوتاليتارية ، التي رفعت النازية شعارها عالياً ، فإن بذوره موجودة في الواقع في أعمال فيشته وهيغل . غير ان هتلر اضفى على هذه الأفكار والمبادىء طابعاً انفعاليا تميز بالعنف نتيجة الأزمة النفسية الحادة التي عاشها في اعقاب هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى . فقد هزته هذه الهزيمة حتى الاعماق ، على غرار مواطنيه كافة ، فراح يبحث عن مسؤول عنها .
وقد حمل اليهود ، الذين يمثلون في نظره عرقا ادنى ، هذه المسؤولية ، ومن ورائهم كل من يرفع راية الأممية . وقد رسم مذهبه طريقا لمحو عار هذه الهزيمة يمر عبر بعث العرق الآري وبناء الرايخ
الكبير . وهكذا قضى هذا المذهب بإبعاد غير الأربين عن وظائف الدولة ، ويمنع الزيجات المختلطة ، ويتعقيم المعاقين والمتخلفين عقليا ، وبمحاربة كل عرق غير آري .
وفيما يتعلق بدور الرايخ ، فقد حددت له النازية ، بريادة هتلر، الأهداف الاساسية التالية : محو آثار معاهدة فرساي المخزية ، ضم المناطق الأوروبية الناطقة بالألمانية ، خلق مجال حيوي لالمانيا في أوروبا ، أي منطقة نفوذ سياسية واقتصادية موقوفة على العرق الالماني ، واسترداد المستعمرات الألمانية المفقودة .
اما الدعاوى الاشتراكية للمذهب النازي فهي أقل وضوحاً وتحديداً ، مما سمح بإجراء تعديلات ملموسة عليها . فقد انطلق هتلر ، في بداية عهده ، من صيغ طوباوية حملت على الربا والملكية الكبيرة والاحتكارات الدولية ، وذلك بهدف استمالة البورجوازية الصغيرة وصغار الكسبة . لكنه بعد ان حصل على تأييد ارباب الصناعة الكبرى ودعمهم ، اكتفى بمحاربة الماركسية والديمقراطية البرلمانية باعتبارهما مصدر ضعف وفوضى . وقد عرف كيف يغري الطبقة الحاكمة باقتصاده المخطط الذي لم يعتمد مبدأه إلا بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستعداد للمواجهة المسلحة .
أما ما لا يمكن إنكاره فهو ان النازية قد عرفت رواجاً منقطع النظير في المانيا . فالشعب الالماني ، الذي خرج مهاناً ومذلولاً من الحرب العالمية الأولى ، وجد في وعودها بإعادة بناء أمجاد الأمة مخرجاً من المأزق الذي وجد نفسه يتخبط فيه . وقد عرف هتلر ، الذي استلهم تجربة موسوليني الفاشية في ايطاليا مع تجاوزه طريقته وأسلوبه ، كيف يوقظ همم مواطنيه بتبجيله الرايخ العظيم والانسان الالماني الجديد الذي ستتفانى الدولة في صنعه من خلال خلقها طبقة ارستقراطية جديدة قائمة ، أساساً ، على نقاوة العرق
الآري . ومما لا ريب فيه ان النازية ، كمذهب
سياسي واجتماعي ، تتحدى كل نقد عقلاني ، إذ
انها لا تتعدى كونها مجموعة من المسلمات لم تصل الى
اثباتها والبرهنة على صحتها . غير انها ، برفعها شعار
المانيا فوق الجميع » ، وبعدائيتها التبسيطية ،
وبإلحاحها على تحميل و الآخر » مسؤولية الهزيمة ،
قدمت متنفساً ومهرباً لشعب انتابه شعور بالإحباط
الجماعي .